Bariqat maḥmūdiyya fī sharḥ ṭarīqat muḥammadiyya wa-sharīʿat nabawiyya fī sīrat aḥmadiyya
بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية
Publisher
مطبعة الحلبي
Edition
بدون طبعة
Publication Year
١٣٤٨هـ
[مُقَدِّمَة]
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلْنَا خَيْرَ أُمَمٍ أُمَّةٍ مَرْحُومَةٍ مَغْفُورَةٍ مُثَابَةٍ غَايَةَ كَرَمٍ وَمُبَارَكَةٍ لَا يَدْرِي أَوَّلُهَا خَيْر
1 / 1
أَو آخِرِهَا مِنْ شُمُولِ النِّعَمِ مِنْ فَضْلٍ أَتَى مِنْ قِبَلِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ التَّحِيَّةُ وَالْكَرَمُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَفْضَلِ رُسُلِهِ الَّذِي بِتَبَعِيَّتِهِ يُفَازُ بِسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ بَلْ يُنَالُ إلَى أَقْصَى الرِّيَاسَتَيْنِ وَبِمُحَافَظَةِ حُدُودِ شَرِيعَتِهِ يُتَنَجَّى عَنْ الْأَهْوَالِ وَالْهَلَكَاتِ وَبِحِرَاسَةِ حِمَى سُنَّتِهِ يُوصَلُ إلَى قُصْوَى الْأَمَانِي وَالدَّرَجَاتِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ هُمْ فِي خَيْرِ الْقُرُونِ كَانُوا هُمْ تَبِعُوهُ، وَجَاهَدُوا مَعَهُ وَآوَوْا وَقَدْ نَصَرُوا.
(وَبَعْدُ) فَمِنْ أَجْلَى الْبَدِيهِيَّاتِ شَرْعًا وَأَوْضَحِ الْيَقِينِيَّاتِ عَقْلًا أَنَّ الدُّنْيَا فَانٍ وَآخِرَ لِبَاسِ الْإِنْسَانِ الْأَكْفَانُ وَأَنَّ الِارْتِحَالَ مِنْهَا كَانَ وَعْدًا مَأْتِيًّا وَالشُّرْبَ مِنْ كَأْسِ الْمَنِيَّةِ حَتْمًا مَقْضِيًّا أَوَّلُهَا ضَعْفٌ وَفُتُورٌ وَآخِرَهَا مَوْتٌ وَقُبُورٌ فَدَارُ نِفَاقٍ وَشِقَاقٍ وَمَوْطِنُ عُبُورٍ وَفِرَاقٍ مَشُوبَةٌ بِالْفِتَنِ وَالشُّرُورِ سَلَّابَةٌ لِلْأَذْوَاقِ وَالسُّرُورِ عِزُّهَا مَعَ الذُّلِّ مُحَرَّمٌ وَنِعَمُهَا مَعَ النِّقَمِ تَوْأَمٌ فَأَوَّلُهَا خِزْيٌ وَغَمٌّ وَآخِرُهَا مُذَمٌّ وَهَمٌّ مَنَّاعَةُ النِّعَمِ أَكَّالَةُ الْأُمَمِ مِنَحُهَا مِحَنٌ وَمِحَنُهَا مِنَحٌ وَمِنَنٌ فَرُكُونُهَا وَيْلٌ وَوَبَالٌ وَاعْتِمَادُهَا وِزْرٌ وَضَلَالٌ.
رَأَيْت الدَّهْرَ مُخْتَلِفًا يَدُورُ ... وَلَا حُزْنٌ يَدُومُ وَلَا سُرُورُ
وَشَيَّدَتْ الْمُلُوكُ بِهَا قُصُورًا ... فَمَا بَقِيَ الْمُلُوكُ وَلَا الْقُصُورُ
وَلَا يُوثَقُ بِالدَّوْلَةِ فَإِنَّهَا ظِلٌّ زَائِلٌ وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَى النِّعْمَةِ فَإِنَّهَا ضَيْفٌ رَاحِلٌ، لَوْ كَانَ الدَّوْلَاتُ دَائِمَةً لَكَانُوا كَغَيْرِهِمْ رَعَايَا لَكِنْ لَيْسَ لِلدَّوْلَاتِ دَوَامٌ.
أَيْنَ الْآبَاءُ وَالْأَجْدَادُ وَأَيْنَ الْأَسْلَافُ وَالْأَحْفَادُ أَيْنَ قَيَاصِرَةُ الْقُصُورِ وَأَيْنَ هُرَامِزِةِ الدُّهُورِ أَيْنَ شَدَّادٌ وَعَادٌ وَأَيْنَ إرَمُ ذَاتُ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ؟
وَإِنَّ فِي الْآخِرَةِ دَارًا لَيْسَ فِيهَا إلَّا عَذَابٌ شَدِيدٌ وَعَظِيمُ الْبَطْشِ بِمَقَامِعِ الْحَدِيدِ وَيَنَابِيعِ الصَّدِيدِ وَعِنْدَ النُّضْجِ التَّبْدِيلُ بِالْجَدِيدِ وَالْأَخْذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ وَاسْوِدَادُ وُجُوهِ الْأَقْوَامِ وَالْكَبُّ عَلَى الْوُجُوهِ بِالسَّلَاسِلِ وَالْأَغْلَالِ وَسَرَاوِيلُ الْقَطْرَانِ وَالْأَنْكَالِ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ الرُّءُوسِ الْحَمِيمُ وَيُصْهَرُ مَا فِي الْبُطُونِ بِحُكْمِ الْحَكِيمِ وَطَعَامُهُمْ زَقُّومٌ وَغَسَّاقٌ وَغِسْلِينٌ وَالْعَطَشُ إلَى انْقِطَاعِ الْأَكْبَادِ وَغَلُّ الْأَعْنَاقِ إلَى الْإِيَادِ وَلَيْسَ الْكُلَّ إلَّا وَارِدٌ وَلَيْسَ فِيهَا رَاحَةٌ وَلَا بَارِدٌ وَأَنْتَ فِي ذُهُولٍ
1 / 2
وَغُفُولٍ بَعِيدٍ وَتَقُولُ النَّارُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ.
وَإِنَّ فِيهَا دَارًا أُخْرَى أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ فِي اللَّهِ جَاهَدُوا وَصَارُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ وَمُلْكٌ كَبِيرٌ عَظِيمٌ وَنَضْرَةُ النَّعِيمُ عِزَّتُهَا بَاقِيَةٌ وَنِعَمُهَا صَافِيَةٌ وَعَنْ الْفَنَاءِ خَالِيَةٌ لَيْسَ فِيهَا لَاغِيَةٌ وَقُطُوفُهَا دَانِيَةٌ وَأَذْوَاقُهَا مُتَوَالِيَةٌ شَرَابُهَا رَحِيقٌ وَلِبَاسُهَا حَرِيرٌ أَنِيقٌ وَسُنْدُسٌ وَإِسْتَبْرَقٌ عَمِيقٌ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ وَسُرَرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ مُتَّكِئِينَ عَلَى أَرَائِكَ مَصْفُوفَةٍ.
فِيهَا الْوِلْدَان وَالْغِلْمَانُ وَحُورٌ عَيْنٌ كَاللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ شَكِلَاتٌ غِنْجَاتٌ آمِنَاتٌ مِنْ الْهَرَمِ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخَيْمِ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ مِنْ مَاءٍ مَعِينٍ بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَفِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ وَعَتْ وَلَا عَلَى قَلْبٍ خَطَرَتْ وَأَعْظَمُ النِّعَمِ الْقَوِيَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ رُؤْيَةُ الْمَلِكِ الْمُقْتَدِرِ عَلَى الِاتِّفَاقِ، وَبِمَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدِينَ فِيهَا عَلَى الْوِفَاقِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْخَلَاصَ مِنْ الدَّارِ الْأُولَى وَالْوُصُولَ إلَى الثَّانِيَةِ فِي الْعُقْبَى إنَّمَا يَحْصُلَانِ بِالتَّشَرُّعِ بِالشَّرْعِ الْمَتِينِ وَالتَّسَنُّنِ بِأَصَحِّ السَّنَنِ الْمَكِينِ وَالِاحْتِرَازِ عَنْ الْبِدَعِ وَالْمُنْكَرَاتِ وَدَوَاعِي فَاسِدَاتِ الْمُيُولَاتِ وَتَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ الرَّدِيئَةِ وَتَحْلِيَةِ الْمَلَكَاتِ الْحَمِيدَةِ وَصِدْقِ الْمُجَاهَدَةِ فِي تَحْصِيلِ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ وَقَهْرِ إمَارَةِ النَّفْسِ وَالْمُيُولَاتِ الْفَاسِدَاتِ كَمَا قِيلَ الْإِسْلَامُ ذَبْحُ النَّفْسِ بِسُيُوفِ الْمُجَاهَدَةِ وَتَرْكُ الْهَوَى بِالْمُخَالَفَةِ فَإِنَّهَا مُعِينَةٌ لِلْأَعْدَاءِ سَائِقَةٌ لِلْأَسْوَاءِ، سَيْفُ الشَّيْطَانِ وَآلَةُ الْعِصْيَانِ وَمَنْشَأُ الطُّغْيَانِ أَعْدَى الْأَعْدَاءِ وَبَلَاؤُهَا أَصْعَبُ الْبَلْوَى وَعِلَاجُهَا أَعْسَرُ الْأَشْيَاءِ وَدَاؤُهَا أَعْضَلُ الدَّاءِ وَدَوَاؤُهَا أَشْكَلُ الدَّوَاءِ لِأَنَّهَا عَدُوٌّ مِنْ الدَّاخِلِ وَلَيْسَ لِدَفْعِ ضُرِّهِ كَافِلٌ
نَفْسِي إلَى مَا ضَرَّنِي دَاعِي ... تُكْثِرُ أَسَقَامِي وَأَوْجَاعِي
كَيْفَ احْتِيَالِي مِنْ عَدُوِّي إذَا ... كَانَ عَدُوِّي بَيْنَ أَضْلَاعِي
إنَّهَا عَدُوٌّ مَحْبُوبٌ وَذَنْبُ الْمَحْبُوبِ مَرْغُوبٌ بَلْ مُسْتَحْسَنٌ وَمَطْلُوبٌ فَكُلُّ الْفَضَائِحِ إنَّمَا تَنْشَأُ مِنْهَا وَكُلُّ الْمَصَائِبِ إنَّمَا يَتَحَصَّلُ بِهَا وَأَيْضًا مُخَالَفَةُ الشَّيْطَانِ الَّذِي هُوَ عَدُوٌّ مَكِينٌ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ فَغَايَةُ جَهْدِهِ لَيْسَ إلَّا هَلَاكًا قَوِيًّا ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] غَوِيًّا فَمَجْبُولٌ عَلَى إيقَاعِ كُلِّ خِزْيٍ عَلَيْهِ قَدِيرٌ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ وَقَدْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِإِيقَاعِ النَّارِ الْحَمِيمِ ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] .
إلَى أَنْ قَالَ ﴿لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] فَيَنْفُذُ حُكْمُهُ لِقَوْمٍ غَافِلِينَ ﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] فَيُوقِعُهُمْ إلَى فِتْنَةِ الْمَعَاصِي نَحْوَ ذُنُوبٍ كَالْجِبَالِ الرَّوَاسِي وَهَذِهِ الْمُخَالَفَةُ وَالْقَهْرُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ أَنَّ بِاتِّبَاعِهِ ﷺ وَمَا اتِّبَاعُهُ إلَّا بِالْإِعْرَاضِ عَنْ الدُّنْيَا وَالْإِقْبَالِ عَلَى الْأُخْرَى فَبِقَدْرِ الْإِعْرَاضِ وَالْإِقْبَالِ قَدْرُ سُلُوكِ سَبِيلِهِ عَلَى الْإِجْمَالِ وَعَلَى قَدْرِ سُلُوكِ سَبِيلِهِ قَدْرُ قُرْبِهِ وَلُحُوقِ زُمْرَتِهِ وَنَيْلِ شَفَاعَتِهِ وَبِقَدْرِ إقْبَالِ الدُّنْيَا قَدْرُ الْبُعْدِ عَنْهُ، وَبِقَدْرِ قُرْبِ الْهَوَى قَدْرُ اللُّحُوقِ فِي زُمْرَةِ ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾ [النازعات: ٣٧] ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النازعات: ٣٨] ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٩] وَلَعَمْرِي لَوْ أَنْصَفْنَا مِنْ أَنْفُسِنَا مِنْ الصُّبْحِ إلَى الْمَسَاءِ لَا نَسْعَى إلَّا لِلْعَاجِلَةِ كَأَنَّا لَا نَطْمَعُ الدُّخُولَ بِزُمْرَتِهِ فِي الْآجِلَةِ فَإِنْ ظَنَنَّا ذَلِكَ وَنَحْنُ نُصِرُّ عَلَى فِعْلِنَا فَمَا أَبْعَدَ ظَنَنَّا وَمَا أَبْرَدَ طَمَعَنَا ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] .
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] ثُمَّ لَمَّا كَانَتْ الطَّرِيقَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ كَافِلًا لِمُعْظَمِ هَذِهِ كُلِّهَا دِقُّهَا وَجُلُّهَا وَلَمْ يُهْمِلْ دَقِيقَةً مِنْ الْمُهْلِكَاتِ وَقَطْرَةً مِنْ الْمُنْجِيَاتِ إلَّا وَقَدْ أَتَى بِأُسْلُوبٍ عَجِيبٍ وَتَرْتِيبٍ غَرِيبٍ وَنَهْجٍ بَدِيعٍ، اجْتَهَدْت فِي شَرْحِهِ وَتِبْيَانِهِ خِدْمَةً مَوْعُودَةً لَهُ ﷺ، وَقُرْبَةً وَوَصْلَةً لِلَّهِ الْأَعَزِّ الْأَجَلِّ الْأَكْرَمِ فَجَاءَ بِحَمْدِهِ تَعَالَى بِلَطَائِفَ دِيَانِيَّةٍ وَمَعَارِفَ نَبَوِيَّةٍ فِي قَوَاعِدَ فَاخِرَةٍ وَأُصُولٍ بَاهِرَةٍ مَعَ زِيَادَاتٍ جَلِيلَةٍ وَتَوْضِيحَاتٍ جَمِيلَةٍ وَتَلْوِيحَاتٍ بَاهِرَةٍ وَتَصْرِيحَاتٍ ظَاهِرَةٍ وَتَحْقِيقَاتٍ عَمِيقَةٍ وَتَدْقِيقَاتٍ أَنِيقَةٍ وَتَقَيُّحَاتٍ بَهِيَّةٍ وَتَرْشِيحَاتٍ عَلِيَّةٍ وَلَطَائِفَ مَزِيَّةٍ وَفَوَائِدَ شَهِيَّةٍ وَفَرَائِدَ وَافِيَةٍ مِنْ كُتُبٍ مُعْتَبَرَةٍ وَزُبُرٍ مُعْتَمَدَةٍ، وَمِنْ أَسْفَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَنْفَاسِ الْأَوْلِيَاءِ وَكُنُوزِ الْعُلَمَاءِ وَخَزَائِنِ الْحُكَمَاءِ وَأَبْكَارِ أَفْكَارِ
1 / 3
الْفُضَلَاءِ فَإِذَا هُوَ الْكِبْرِيتُ الْأَحْمَرُ وَالتِّرْيَاقُ الْأَكْبَرُ لِكَوْنِهَا شُمُوسًا مِنْ مَشَارِقِ النُّبُوَّةِ طَلَعَتْ وَأَقْمَارًا مِنْ أُفُقِ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ بَدَرَتْ فَكَأَنَّهَا حَرِيَّةٌ بِأَنْ تُسَمَّى (بَرِيقَةٌ مَحْمُودِيَّةٌ فِي شَرْحِ طَرِيقَةٍ مُحَمَّدِيَّةٍ وَشَرِيعَةٍ نَبَوِيَّةٍ فِي سِيرَةٍ أَحْمَدِيَّةٍ) .
فَأَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ أَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَيَنْفَعَ بِهِ لِجَامِعِهِ وَقَارِئِهِ وَنَاظِرِهِ وَكَاتِبِهِ نَفْعًا مُوجِبًا لِعَفْوِهِ وَغُفْرَانِهِ بَلْ لِرَفْعِ دَرَجَاتِهِ فِي أَعْلَى غُرَفِ الْجِنَانِ مَعَ الْمُنَعَّمِينَ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ الْمُشْتَغِلِينَ بِسُنَّتِهِمْ وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِمْ.
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قَدْ قَضَيْنَا الْوَطَرَ فِي حَقِّ الْبَسْمَلَةِ الشَّرِيفَةِ فِي رِسَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْفُنُونِ إلَى أَنْ تَبْلُغَ إلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَنًّا فَلْنَكْتَفِ بِمَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا وَهُوَ أَنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ كَالْبَيْضَاوِيِّ تَرْجِيحُ جَانِبِ الِاسْتِعَانَةِ فِي الْبَاءِ مَعَ الِاتِّفَاقِ فِي جَوَازِهَا لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ حَاصِلَ الِاسْتِعَانَةِ طَلَبُ الْمُعَاوَنَةِ عَلَى إيقَاعِ الْفِعْلِ وَإِحْدَاثِهِ وَذَلِكَ بِإِفَاضَةِ الْقُدْرَةِ مُمْكِنَةً أَوْ مُيَسَّرَةً عَلَيْهِ مَا فِي عِلْمِ الْأُصُولِ وَالْمُرَادُ مِنْ الْفِعْلِ إمَّا التَّصْنِيفُ أَوْ الْقِرَاءَةُ أَوْ الْعِبَادَةُ أَوْ نَحْوُهَا فَإِنْ أُرِيدَ بِتِلْكَ الْقُدْرَةِ الْقُوَّةُ الَّتِي يَصِحُّ صَرْفُهَا لِلْفِعْلِ وَعَدَمِهِ فَهِيَ حَاصِلَةٌ قَبْلَ الطَّلَبِ فَيَلْزَمُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَإِنْ أُرِيدَ الْقُدْرَةُ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالصَّرْفِ أَيْ صَرْفِ الْعَبْدِ قُدْرَتَهُ إلَى الْفِعْلِ فَهُوَ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْخَلْقُ وَالْإِيجَادُ عَلَى أَنَّ تَعَلُّقَ قُدْرَةِ اللَّهِ بِفِعْلِ الْعَبْدِ مَشْرُوطٌ بِذَلِكَ الصَّرْفِ عَلَى حَسَبِ عَادَتِهِ وَمُقْتَضَى حِكْمَتِهِ فَلَوْ لَمْ يُوجَدْ الصَّرْفُ مِنْ الْعَبْدِ لَا يُوجَدُ الْخَلْقُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عَادَته وَإِنْ أُرِيدَ تَعَلُّقُ قُدْرَتِهِ عِنْدَ ذَلِكَ الصَّرْفِ مِنْ الْعَبْدِ فَهُوَ ضَرُورِيٌّ أَيْضًا عَلَى عَادَتِهِ تَعَالَى فَلَا فَائِدَةَ فِي طَلَبِهِ وَبِالْجُمْلَةِ طَلَبُ الْمُعَاوَنَةِ هُوَ طَلَبُ الْقُدْرَةِ.
فَالْقُدْرَةُ الْمَطْلُوبَةُ إنْ كَانَتْ مَا هِيَ صِفَةٌ لِلْعَبْدِ صَالِحَةٌ صَرْفُهَا لِلضِّدَّيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ أَوْ سَلَامَةِ الْآلَاتِ الَّتِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا صِحَّةُ التَّكْلِيفِ فَهِيَ صَالِحَةٌ قَبْلَ الطَّلَبِ فَلَا فَائِدَةَ فِي الطَّلَبِ وَإِنْ كَانَتْ عَيْنَ ذَلِكَ الصَّرْفِ وَلَوْ مَجَازًا فَقَدْ قُرِّرَ أَنَّهُ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ فِي الْخَارِجِ وَصُدُورُهُ مِنْ قُدْرَةِ الْعَبْدِ فَقَطْ وَلَوْ فُرِضَ صُدُورُهُ مِنْ اللَّهِ يَلْزَمُ الْجَبْرُ فَلَا مَعْنَى لِطَلَبِ الْمُعَاوَنَةِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى فِعْلٍ مَا وَنَحْوُهُ طَلَبُ الْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ وَالْعِصْمَةِ وَنَحْوِهَا وَمُذْ زَمَانٍ كَثِيرٍ يَخْتَلِجُ ذَلِكَ فِي خَاطِرِ هَذَا الْفَقِيرِ عَصَمَهُ اللَّهُ وَلَا يَجِدُ مَلْجَأً غَيْرَ التَّفْوِيضِ إلَى عِلْمِهِ تَعَالَى وَالتَّبَعِيَّةِ بِالنُّصُوصِ وَالسَّلَفِ ثُمَّ اطَّلَعْت فِي بَحْثِ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ لِلْعَبْدِ مِنْ الْبَيْضَاوِيِّ.
وَلِصُعُوبَةِ هَذَا الْمَقَامِ أَنْكَرَ السَّلَفُ مُنَاظَرَتَهُ لِتَأَدِّيهِ إلَى إنْكَارِ التَّكْلِيفِ أَوْ الشِّرْكِ بِاَللَّهِ ثُمَّ قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ بَعْدَمَا قَالَ الْأَوْلَى هُوَ طَرِيقُ السَّلَفِ مِنْ تَرْكِ الْمُنَاظَرَةِ وَتَفْوِيضِ الْعِلْمِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى هَذَا ثُمَّ سَبَقَ إلَى الْخَاطِرِ أَنَّهُ يَجُوزُ طَلَبُ الْمُعَاوَنَةِ بِإِلْقَاءِ نَحْوِ الشَّوْقِ وَالْمَحَبَّةِ وَإِخْطَارِ الْأَمْرِ الْمُلَائِمِ بِالْقَلْبِ عَلَى وَجْهٍ يُرَجِّحُ الْعَبْدُ جَانِبَ الْفِعْلِ مَثَلًا يَعْنِي يَحْصُلُ الصَّرْفُ بِلَا رُتْبَةِ إيجَابٍ وَاضْطِرَارٍ وَنَحْوِهَا لَا يَبْعُدُ صُدُورُهُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا مِنْ مَقُولَةِ الْكَيْفِ الَّذِي هُوَ مَوْجُودٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْخَلْقُ عَلَى أَنَّهُ لَا شَكَّ فِي كَوْنِهَا مَوْجُودَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَا يَبْعُدُ صُدُورُ نَحْوِ هَذَا الْوُجُودِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى كَالْمَوْجُودَاتِ الْخَارِجِيَّةِ وَغَايَتُهُ لُزُومُ عَدَمِ الْمَخْلُوقِيَّةِ فِي بَعْضِ مَا صَدَرَ عَنْهُ تَعَالَى لَعَلَّهُ لَا بَأْسَ فِيهِ بَلْ قَدْ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ.
فَلَعَلَّك بِهَذَا الْقَدْرِ تَفْهَمُ تَحْقِيقَ الْمَقَامِ عَلَى وَجْهٍ يَرْتَفِعُ حُجُبٌ نَحْوَ الْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ بَلْ اسْتِصْعَابُ الْبَيْضَاوِيِّ وَاعْتِرَافُ الْأَصْفَهَانِيِّ حَتَّى التَّفْتَازَانِيِّ أَيْضًا فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ وَبِالتَّأَمُّلِ الصَّادِقِ بِحَقَائِقِ الْمَقَامِ يَنْكَشِفُ ظُلُمَاتُ الْأَوْهَامِ بِعِنَايَةِ الْمُفَضِّلِ الْمِنْعَامِ.
وَتَمَامُ تَحْقِيقِ الْكَلَامِ فِي بَحْثِ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ الْفَتَّاحُ الْمَنَّانُ
(الْحَمْدُ لِلَّهِ) هُوَ الْوَصْفُ بِالْجَمِيلِ الِاخْتِيَارِيِّ لِلتَّعْظِيمِ وَكَوْنُهُ غَيْرَ نِعْمَةٍ هَذَا هُوَ الْحَمْدُ اللُّغَوِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ
1 / 4
يُفَسِّرُونَهُ بِهِ وَمُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ اخْتِيَارُ جَانِبِ الْعُرْفِيِّ إذْ عِنْدَ تَعَارُضِهِمَا أَيْ اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ بَلْ الشَّرْعُ أَيْضًا يُرَجِّحُ الْعُرْفَ كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ وَالْمُرَادُ مِنْ الْعُرْفِ إمَّا الْعُرْفُ الْعَامُّ فَيَتَبَادَرُ الذِّهْنُ إلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مُطْلَقًا فِي أَيِّ فَنٍّ كَانَ أَوْ الِاصْطِلَاحُ الْخَاصُّ وَالْمُتَبَادِرُ فِي أَلْفَاظِ الشَّرِيعَةِ هُوَ اصْطِلَاحُ أَهْلِ الشَّرْعِ وَالْمَقَامُ تَخَاطُبُ الشَّرْعِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فَلَا يُصَارُ إلَى مَجَازِهِ بِلَا صَارِفٍ وَقَدْ قُرِّرَ لَا يُصَارُ إلَى الْمَجَازِ بِلَا تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ وَأَيْضًا مُقْتَضَى الْعَقْلِ تَرْجِيحُ جَانِبِ الْعُرْفِيِّ إذْ هُوَ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُنْعِمًا إذْ حَاصِلُهُ مُطْلَقُ التَّعْظِيمِ الشَّامِلِ لِمَا بِاللِّسَانِ وَسَائِرِ الْأَرْكَانِ وَظَاهِرٌ أَنَّ مَا كَانَ شُمُولُهُ أَكْثَرَ فِي الْفَائِدَةِ أَوْفَرُ عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْحَمْدَ هُنَا لَيْسَ مُنْبَعِثًا مِنْ قِرَاءَةِ هَذَا الْكِتَابِ فَقَطْ بَلْ تَصْنِيفُهُ الَّذِي هُوَ فِعْلٌ حَتَّى الْعَمَلُ بِمُوجِبِهِ.
وَأَمَّا خُصُوصُ مُتَعَلِّقِهِ وَهُوَ النِّعْمَةُ فَلَا يَضُرُّ بَلْ يُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ مِنْ حَيْثُ إنَّ حَمْدَ اللَّهِ لَا يَخْلُو عَنْ نِعْمَتِهِ وَأَمَّا اسْتِحْقَاقُهُ تَعَالَى الْحَمْدَ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ وَلَوْ فُرِضَ عَدَمُ نِعْمَتِهِ وَإِنْ أَهَمَّ فَمِنْ قَبِيلِ اسْتِلْزَامِ مُحَالٍ مُحَالًا آخَرَ أَوْ أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى الْوَاقِعِ بِمَقَامِ التَّصْنِيفِ وَالْقِرَاءَةِ أَقُولُ فِي الْجَوَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ أَنَّ التَّحْمِيدَاتِ النَّبَوِيَّةَ وَالْمَأْثُورَةَ عَلَى أَلْفَاظِ نَحْوِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ الظَّاهِرُ مِنْ أَمْثَالِهَا إنْشَاءُ الْحَمْدِ لَا الْإِخْبَارُ وَلَعَلَّ الْوَجْهَ فِي الْمُؤْثُورَاتِ هُوَ أَنَّهُ اُعْتُبِرَ فِي الْحَمْدِ كَوْنُ الْمَحْمُودِ مُخْتَارًا وَهُوَ كَمَالٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِيجَابِ وَأَنَّ الثَّنَاءَ عَلَى الِاخْتِيَارِيِّ أَبْلَغُ مِمَّا عَلَى الْإِيجَابِيِّ وَكَوْنُهُ عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ وَأَيْضًا لِلْعُمُومِ السَّابِقِ فِي الْحَمْدِ مَدْخَلٌ مَا فِي التَّرْجِيحِ وَإِنَّ اللِّسَانَ أَكْثَرُ شُيُوعًا لِلنِّعَمِ وَأَدَلُّ عَلَى شَرَفِهَا لِخَفَاءِ الِاعْتِقَادِ وَلِاحْتِمَالِ الْجَوَارِحِ لِغَيْرِ الشُّكْرِ أَوْ لِغَيْرِ شُكْرِ النِّعْمَةِ الْمُعَيَّنَةِ.
وَبِمَا قَرَّرْنَا عَرَفْت وَجْهَ اخْتِيَارِ الْحَمْدِ عَلَى الشُّكْرِ وَالْمَدْحِ سِيَّمَا الشُّكْرَ الْعُرْفِيَّ الَّذِي هُوَ صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ إلَى مَا خَلَقَ لَهُ وَمِمَّا ذُكِرَ عَرَفْت سِرَّ قَوْلِهِ ﷺ «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَأْسُ الشُّكْرِ» لِأَنَّ الشُّكْرَ لَمَّا كَانَ بِاللِّسَانِ وَالْجِنَانِ وَالْأَرْكَانِ وَكَانَ اللِّسَانُ أَشْيَعَ وَأَدَلَّ وَفِيهِ إظْهَارُ النِّعْمَةِ كَانَ رَأْسًا وَلَعَلَّ بِمِثْلِ هَذَا فُضِّلَ التَّحْمِيدُ عَلَى التَّسْبِيحِ بَلْ عَلَى التَّهْلِيلِ عِنْدَ بَعْضٍ بِظَاهِرِ بَعْضِ الْحَدِيثِ وَإِنْ رُدَّ فِي التَّهْلِيلِ لِعَدَمِ مُعَادَلَةِ شَيْءٍ لَهُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْبَاءَ فِي قَوْلِهِ بِالْجَمِيلِ إنْ كَانَ صِلَةً لِلْوَصْفِ يَدُلُّ عَلَى الْمَحْمُودِيَّةِ مُطَابَقَةً وَعَلَى الْمَحْمُودِ عَلَيْهِ الْتِزَامًا وَإِنْ لِلسَّبَبِيَّةِ فَعَلَى الْعَكْسِ وَالْوَصْفِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَاصِفٍ فَهُوَ الْحَامِدُ وَمِنْ مَوْصُوفِ تِلْكَ الصِّفَةِ فَهُوَ الْمَحْمُودُ وَنَفْسُ الْوَصْفِ مَا يَدُلُّ عَلَى اتِّصَافِ الْمَحْمُودِ بِالْمَحْمُودِيَّةِ فَتَحْقِيقُ مَاهِيَّةِ الْحَمْدِ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَحْقِيقِ هَذِهِ الْخَمْسَةِ.
فَالْأَوَّلُ أَيْ الْمَحْمُودُ بِهِ صِفَةٌ تُظْهِرُ اتِّصَافَ شَيْءٍ بِهَا عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ صِفَةَ كَمَالٍ يُدْرَكُ عَقْلًا وَلَوْ بِدِقَّةِ نَظَرٍ أَوْ تَعَلُّمٍ
1 / 5
وَالْجَمِيلُ عَامٌّ لِمَا فِي الْوَاقِعِ أَوْ عِنْدَ الْحَامِدِ أَوْ الْمَحْمُودِ بِزَعْمِ الْحَامِدِ فَالظُّلْمُ الَّذِي ادَّعَى حُسْنَهُ حَمْدٌ وَأَيْضًا يَجُوزُ كَوْنُ الْمَحْمُودِ بِهِ سَلْبِيًّا أَيْضًا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ فَوَاضِلَ أَيْ مُتَعَدِّيًا كَأَنْعَامٍ أَوْ فَضَائِلَ أَيْ غَيْرِ مُتَعَدٍّ كَحَسَنٍ وَلَا بَيْنَ كَوْنِهِ الْمُتَعَدِّيَ بِاخْتِيَارِهِ أَوْ لَا عَلَى مَا نَقَلَ مِنْ الدَّوَانِيِّ وَصَدْرِ الْأَفَاضِلِ فِي حَاشِيَةِ التَّجْرِيدِ وَالْمَطَالِعِ لَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ شَرْحِ التَّهْذِيبِ اخْتِصَاصُهُ بِالِاخْتِيَارِيِّ وَلِذَا أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَبُو الْفَتْحِ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَشْهُورٍ.
أَقُولُ هَذَا لَيْسَ بِوَارِدٍ لِأَنَّهُ مُلْتَزِمٌ عَلَى عَدَمِ الِالْتِفَاتِ بِالْمَشْهُورِ فِي دِيبَاجَتِهِ وَأَنَّ الْمَشْهُورَاتِ مِنْ الْجَدَلِيَّاتِ وَأَنَّ تَعْلِيلَهُ بِأَنَّ الْجَمِيلَ اخْتِيَارِيٌّ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِلْفِعْلِ وَهُوَ بِالِاخْتِيَارِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ بُرْهَانًا تَأَمَّلْ وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الشَّرِيفِ الْعَلَّامَةِ فِي حَاشِيَةِ الْمَطَالِعِ اخْتِيَارُ التَّعْمِيمِ وَالثَّانِي أَيْ الْمَحْمُودُ عَلَيْهِ مَا يَقَعُ الْمَحْمُودُ بِهِ لِأَجْلِهِ فَلَوْلَاهُ لَمْ يَقَعْ فَهُوَ كَالْعِلَّةِ الْبَاعِثَةِ لِلْوَاصِفِ عَلَى الْوَصْفِ أَوْ هُوَ عِلَّتُهُ وَقَدْ يَتَّحِدُ الْمَحْمُودُ بِهِ وَعَلَيْهِ ذَاتًا وَيَتَغَايَرَانِ اعْتِبَارًا فَإِنَّ الشَّجَاعَةَ مِنْ حَيْثُ كَوْنُ الْوَصْفِ بِهَا مَحْمُودًا بِهِ وَمِنْ حَيْثُ كَوْنُ الْوَصْفِ لِأَجْلِهَا لِقِيَامِهَا فِي مَحِلِّهَا مَحْمُودًا عَلَيْهِ ثُمَّ إنَّ الْمَحْمُودَ عَلَيْهِ يَجِبُ كَوْنُهُ كَمَالًا وَلَوْ فِي زَعْمِ الْحَامِدِ أَوْ الْمَحْمُودِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ فِعْلَ الْمَحْمُودِ أَوْ كَيْفِيَّتَهُ ثُمَّ الْمَشْهُورُ بِاشْتِرَاطِ كَوْنِهِ فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا وَلَوْ حُكْمًا فَأَوْرَدَ بِنَحْوِ الثَّنَاءِ عَلَى صَفَاءِ اللُّؤْلُؤِ وَرَشَاقَةِ الْقَدِّ وَدُفِعَ بِأَنَّهُ مَدْحٌ لَا حَمْدٌ وَلَوْ مَجَازًا وَأَشْكَلَ بِثَنَائِهِ تَعَالَى عَلَى صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ الْغَيْرِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاخْتِيَارِيَّ شَامِلٌ لِمَا يَكُونُ أَثَرُهُ اخْتِيَارِيًّا أَوْ بِأَنَّ كَوْنَهُ تَعَالَى مُسْتَقِلًّا فِي مَصْدَرِيَّتِهَا كَالِاخْتِيَارِ أَوْ هُوَ مَجَازٌ وَبَابُ الْمَجَازِ وَاسِعٌ كَتَحَامُدِ الرَّعَايَا عَلَى الْكَلَأِ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَمِنْ الْمَجَازِ حَمِدَتْ الْأَرْضُ وَالثَّالِثُ أَيْ الْحَامِدُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُعَظِّمًا لِلْمَحْمُودِ فِي سَائِرِ أَقْوَالِهِ وَجَمِيعِ أَفْعَالِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَلَوْ اقْتَرَنَ جِهَةٌ وَاحِدَةٌ بِنَحْوِ تَحْقِيرٍ وَاسْتِهْزَاءٍ وَلَوْ بِاحْتِمَالٍ مَعَ تَحَقُّقِ التَّعْظِيمِ مِنْ الْجَمِيعِ يَكُونُ حَمْدًا لِأَنَّهُ إذَا اُعْتُبِرَ فِي التَّعْظِيمِ عُمُومُ الْإِفْرَادِ.
كَذَا قَرَّرَ صَدْرُ الْأَفَاضِلِ وَأَيَّدَ بِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ التَّعْظِيمُ وَالتَّحْقِيرُ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ فَلَوْ فُرِضَ اجْتِمَاعُهُمَا يُرَجَّحُ جَانِبُ التَّحْقِيرِ لِأَنَّ الْمُرَكَّبَ مِنْ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ خَارِجٌ وَإِذَا اجْتَمَعَ الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ يُرَجَّحُ جَانِبُ الْحَظْرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اعْتِقَادُ الْحَامِدِ اتِّصَافَ الْمَحْمُودِ بِالْجَمِيلِ الَّذِي أَتَاهُ إنْ لَمْ يُقَارَنْ بِشَوْبِ تَحْقِيرٍ فَيَدْخُلُ هَذَا الْوَصْفُ الَّذِي اعْتَقَدَ الْحَامِدُ انْتِفَاءَهُ عَنْ الْمَحْمُودِ فِي الْحَمْدِ هَذَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ لَكِنْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ الشَّرِيفِ الْعَلَّامَةِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُطَابِقْ الْقَوْلُ الِاعْتِقَادَ يَكُونُ سُخْرِيَةً فَدَفَعَهُ الدَّوَانِيُّ بِأَنَّ مُرَادَهُ مِنْ الِاعْتِقَادِ لَازِمُهُ الَّذِي هُوَ إنْشَاءُ التَّعْظِيمِ إذْ الْحَمْدُ إنْشَاءٌ وَلَا حُكْمَ فِي الْإِنْشَاءِ حَتَّى يُتَصَوَّرَ فِيهِ الْمُطَابَقَةُ أَلَا يَرَى أَنَّ النَّاسَ يَأْتُونَ أَوْصَافًا جَمِيلَةً فِي نَحْوِ الْعَقَائِدِ الْقَطْعِيِّ انْتِفَاؤُهَا عَنْ الْمَمْدُوحِ فِي اعْتِقَادِهِمْ وَيَعُدُّونَهَا حَمْدًا وَمَدْحًا ثُمَّ قَالَ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّ الْحَامِدَ مُعْتَقِدٌ تِلْكَ الْأَوْصَافَ فِي الْمَحْمُودِ أَوْ أَنَّهُ يُرِيدُ بِهَا مَعَانِيَ مَجَازِيَّةً مُعْتَقِدًا إيَّاهَا فَمَرْدُودٌ بِأَنَّ الْأَوَّلَ خِلَافُ الْبَدِيهَةِ وَالثَّانِيَ خِلَافُ الْوَاقِعِ وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ صَدْرُ الْأَفَاضِلِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَوَّلُ خِلَافَ الْبَدِيهَةِ وَالثَّانِي خِلَافَ الْوَاقِعِ لَزِمَ خُلُوُّ الْكَلَامِ عَنْ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ الدَّوَانِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ اعْتِقَادِ مَضْمُونِ الْكَلَامِ عَدَمُ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ كَقَوْلِ السُّنِّيِّ الْمُخْفِي عَنْ الْمُعْتَزِلِيِّ الْعَبْدُ خَالِقٌ لِأَفْعَالِهِ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ مَعَ عَدَمِ اعْتِقَادِهِ ثُمَّ حَاصِلُ مَا تَحَرَّرَ هُنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْحَامِدِ مِنْ التَّعْظِيمِ فِي ثَنَائِهِ وَلَا بُدَّ فِي كَوْنِهِ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ أَنْ يَكُونَ مُعَظِّمًا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ مُطَابَقَتُهُ بِاعْتِقَادِهِ إنْ لَمْ يُقَارِنْ نَحْوَ اسْتِهْزَاءٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ.
وَالرَّابِعُ الْمَحْمُودُ وَقَدْ عَرَفْت اشْتِرَاطَ كَوْنِهِ فَاعِلًا وَمُخْتَارًا أَوْ فِي حُكْمِهِ ثُمَّ إنَّ الْمُحَقِّقِينَ كالتَّفْتَازانِيِّ وَالْجُرْجَانِيِّ وَأَفَاضِلِ الْمُفَسِّرِينَ كَالزَّمَخْشَرِيِّ وَالْبَيْضَاوِيِّ حَصَرُوا الْحَمْدَ لَهُ تَعَالَى وَعَلَيْهِ إشْكَالٌ حَكَمُوا بِصُعُوبَتِهِ لِأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ كَمَا تَرْجِعُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى تَرْجِعُ إلَى الْعَبْدِ مِنْ حَيْثُ خَلْقُ اللَّهِ الْجَمِيلُ فِيهِ وَمَكَّنَهُ بِصَرْفِ إرَادَتِهِ وَمُبَاشَرَتِهِ فَلَوْلَا صَرْفُهُ لَمْ يُوجِدْهُ تَعَالَى عَلَى عَادَتِهِ فَيَحْمَدُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَرُجُوعُ هَذَا إلَى اللَّهِ لَا يَقْتَضِي الْحَصْرَ.
وَالنَّاسُ فِيهِ فَرِيقَانِ
1 / 6
فَرِيقٌ كَابْنِ الْكَمَالِ مَنَعُوا حَصْرَ الْحَمْدِ لَهُ تَعَالَى لِنَحْوِ قَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ وَعَنْ أَبَوَيْهَا نَحْمَدُ اللَّهَ لَا نَحْمَدُك وَفِي الْمَثَلِ عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى فَالْمَحْمُودُ عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُ كَوْنُهُ فِعْلًا لِلْمَحْمُودِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مُخْتَارًا فِيهِ وَلَا مَدْخَلَ لِخَلْقِ الْأَعْمَالِ إذْ الْكَلَامُ فِي الْحَمْدِ اللُّغَوِيِّ فَمَرْجِعُهُ النَّقْلُ مِنْهُمْ كَمَا عَرَفْت وَفَرِيقٌ أَوَّلُوا مَعَهُمْ كَالدَّوَّانِيِّ وَحَصَرُوا الْحَمْدَ لَهُ تَعَالَى عَلَى الْحَقِيقَةِ إذْ الْحَمْدُ مُخْتَصٌّ بِالْفِعْلِ الِاخْتِيَارِيِّ وَلَا اخْتِيَارَ لِغَيْرِهِ تَعَالَى عَلَى قَاعِدَةِ أَهْلِ الْحَقِّ وَالْعَبْدُ مُضْطَرٌّ فِي صُورَةِ مُخْتَارٍ.
قَالَ الْمَوْلَى الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْجَامِعِ الصَّغِيرِ بَعْدَ ذَلِكَ الْقَوْلِ مُشِيرًا إلَى تَرْجِيحِ الْأَخِيرِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ نَزَّلُوا حَمْدَ الْغَيْرِ مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ وَمَنْزِلَةَ الْحَمْدِ لَهُ تَعَالَى لِأَنَّهُ مَبْدَأُ كُلِّ جَمِيلٍ لِأَنَّ الْكُلَّ مِنْهُ وَإِلَيْهِ خَلْقًا وَتَمْكِينًا وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ شَيْءٌ سِوَى الْمَحَلِّيَّةِ وَهُوَ بِجَعْلِهِ أَيْضًا وَكُلُّ جَمَالٍ وَكَمَالٍ مُضْمَحِلٌّ فِي جَنْبِهِ تَعَالَى رَاجِعٌ إلَيْهِ وَكُلُّ اخْتِيَارٍ لِغَيْرِهِ يَعُودُ إلَى اضْطِرَارٍ. انْتَهَى.
(وَالْخَامِسُ) وَهُوَ ذِكْرُ مَا يَدُلُّ عَلَى اتِّصَافِ الْمَحْمُودِ بِالْمَحْمُودِ بِهِ وَهُوَ بِاللِّسَانِ كَمَا فُهِمَ مِنْ لَفْظَةِ الْوَصْفِ ضِمْنًا وَلَزِمَ عَلَيْهِ عَدَمُ الْحَمْدِ مِمَّا لَيْسَ لَهُ لِسَانٌ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] فَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ إخْبَارٌ بِاسْتِحْقَاقِ الْحَمْدِ أَوْ أَمْرٌ بِهِ أَوْ مَجَازٌ عَنْ إظْهَارِ الصِّفَاتِ الْكَمَالِيَّةِ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ مَيْلُ السَّيِّدِ إلَى الْأَخِيرِ أَقُولُ قَالَ السَّيِّدُ عِنْدَ قَوْلِ شَارِحِ الْمَطَالِعِ وَهُوَ بِاللِّسَانِ وَحْدَهُ حَقِيقَةُ الْحَمْدِ إظْهَارُ الصِّفَاتِ الْكَمَالِيَّةِ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا وَهُوَ أَقْوَى لِدَلَالَتِهِ عَقْلًا وَدَلَالَةُ الْقَوْلِ وَضْعًا الَّذِي يَجُوزُ تَخَلُّفُهُ عَنْ مَدْلُولِهَا بِخِلَافِ الْعَقْلِيَّةِ فَهَذَا عَلَى وَفْقِ مَا ذَكَرَهُ الدَّوَانِيُّ أَنَّ ذِكْرَ اللِّسَانِ قَيْدٌ غَالِبِيٌّ إذْ هُوَ مَوْضُوعٌ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ لِلْأَمْرِ الْعَامِّ ثُمَّ بِالْغَلَبَةِ فِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ وَهُوَ اللِّسَانُ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِيهِ مَعَ أَنَّهُ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ أَعَمُّ بِالْإِظْهَارِ الْعَقْلِيِّ الَّذِي هُوَ أَقْوَى وَأَتَمُّ فَيَشْمَلُ أَيْضًا حَمْدَ الْمَلَائِكَةِ بِلَا احْتِيَاجٍ إلَى تَقْيِيدِ تَشَكُّلِهِمْ بِشَكْلِ الْإِنْسَانِ لَكِنْ أَخْرَجَ الْمُنَاوِيُّ حَمْدَ الطُّيُورِ وَالْبَهَائِمِ وَالنَّائِمِينَ لِعَدَمِ الْقَصْدِ وَلَا يَخْفَى إذَا اُعْتُبِرَ حَمْدُ الْجَمَادَاتِ كَمَا فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ فَالْحَيَوَانَاتُ أَوْلَى مَعَ أَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ تِلْكَ الْآيَةِ وَهُوَ أَمْرٌ مُمْكِنٌ فِي نَفْسِهِ وَكُلُّ أَمْرٍ مُمْكِنٌ أَخْبَرَ بِهِ الشَّارِعُ فَحُمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ غَايَتُهُ عَدَمُ اطِّلَاعِنَا بِهِ وَقَدْ تَوَاتَرَ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ وَبَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ تَسْبِيحُهُمْ وَتَحْمِيدُهُمْ إلَّا أَنْ يُرَادَ الْحَمْدُ الَّذِي يَحْمَدُ بِهِ الْحَيَوَانُ بِتَعْلِيمِ الْإِنْسَانِ لَا مُطْلَقُ الْحَمْدِ.
قَالَ الشَّرِيفُ وَمِنْ قَبِيلِ الْحَمْدِ الْفِعْلِيِّ حَمْدُهُ تَعَالَى وَثَنَاؤُهُ عَلَى ذَاتِهِ لِأَنَّهُ حِينَ أَوْجَدَ الْمَوْجُودَاتِ أَظْهَرَ عَنْ صِفَاتِهِ الْكَامِلَةِ بِدَلَالَاتٍ قَطْعِيَّةٍ وَلَا تَدُلُّ الْعِبَارَةُ مِثْلُهَا وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ ﷺ «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» فَلَوْلَا خَوْفُ إمْلَالِ الْمَقَامِ لَقَضَيْت حَقَّ حَمْدِ الْمُفَضِّلِ الْمِنْعَامِ الَّذِي لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ الْخَوَاصُّ وَالْعَوَامُّ
(الَّذِي جَعَلَنَا) إنْ أُرِيدَ بِهَذَا الْوَصْفِ بَيَانُ دَاعِي هَذَا الْحَمْدِ فَمَحْمُودٌ عَلَيْهِ وَإِنْ أُرِيدَ مُجَرَّدُ تَوْصِيفِهِ تَعَالَى بِهَذَا الْوَصْفِ فَمَحْمُودٌ بِهِ فَمِنْ قَبِيلِ اجْتِمَاعِهِمَا بِالْجِهَتَيْنِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ كَمَالٌ وَاخْتِيَارِيٌّ وَجَمِيلٌ وَقَعَ عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ ثُمَّ إنْ كَانَتْ الْقَضِيَّةُ فِعْلِيَّةً فَالْمُرَادُ أُمَّةُ إجَابَةٍ وَإِنْ مُمْكِنَةً فَأُمَّةُ دَعْوَةٍ فَالْمُتَبَادَرُ هُوَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي أَيْضًا نِعْمَةٌ فَإِنَّ التَّمْكِينَ نِعْمَةٌ وَالْأَقْدَارَ عَلَيْهَا نِعْمَةٌ يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ لِإِزَالَةِ امْتِنَاعِهَا لَكِنْ لَوْ لَمْ يُوقِعْ ذَلِكَ لَزَادَ نِقْمَةً وَعُقُوبَةً يَظْهَرُ بِمُلَاحَظَةِ شَاهِقِ الْجَبَلِ ثُمَّ هَذَا الْجَعْلُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى قَاعِدَةِ أَهْلِ الْحَقِّ سِيَّمَا لِمَنْ سَلَكَ مَسْلَكَ الْأُسْتَاذِ فِي أَفْعَالِ الْعِبَادِ صَعُبَ الْفَهْمُ إذْ مَعْنَى جَعَلَهُ تَعَالَى مِنْ الْأُمَّةِ إعْطَاءُ الْإِسْلَامِ مَثَلًا وَهُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ فَإِنْ أُرِيدَ مِنْ إعْطَاءِ الْإِسْلَامِ إعْطَاؤُهُ ابْتِدَاءً بِلَا تَوَسُّطِ مَدْخَلِ الْعَبْدِ فَمَذْهَبُ الْجَبْرِيَّةِ أَوْ الْحُكَمَاءِ وَإِنْ بِوَاسِطَةِ قُدْرَةِ الْعَبْدِ بِأَنْ يَصْرِفَ قُدْرَتَهُ فَيُوجِدَ اللَّهُ تَعَالَى الْإِسْلَامَ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ فَيَرْجِعُ إلَى تَمْكِينِ الْإِسْلَامِ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ اللَّفْظِ وَالْمُعْتَدُّ بِهِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْحَمْدِ لَيْسَ إمْكَانَهُ بَلْ وُقُوعَهُ وَإِنَّ الْمُتَبَادَرَ اسْتِقْلَالُهُ تَعَالَى فِي إعْطَاءِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ اشْتَرَكَ فِيهِ الْعَبْدُ بِصَرْفِ قُدْرَتِهِ إذْ هَذَا الصَّرْفُ مِنْ الْعَبْدِ فَقَطْ عِنْدَنَا لَعَلَّ حَلَّ هَذَا الْإِشْكَالَ كَمَا أُشِيرَ بِأَنْ يُلْقِيَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ عِلْمَ حَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ، وَمَحَبَّتَهُ وَسَائِرَ دَوَاعِيهِ نَحْوَ إرْسَالِ الْمَلَائِكَةِ الْمُلْهِمَةِ وَكَرَاهَةِ ضِدِّهِ وَمَنْعِ الشَّيْطَانِ عَنْ وَسَاوِسِهِ وَسَلَامَةِ آلَاتِهِ وَبِعَدَمِ إرَادَةِ ضِدِّهِ (أُمَّةٍ) جَمَاعَةٌ
1 / 7
فَإِنَّ كُلَّ أُمَّةٍ جَمَاعَةٌ لِنَبِيِّهِمْ وَالنَّبِيُّ إمَامُهُمْ (وَسَطًا) بِالتَّحْرِيكِ أَيْ عَدْلًا كَمَا فِي حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ وَأَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]-.
وَأَيْضًا فِي الْقَامُوسِ أَيْ عَدْلًا خِيَارًا وَفِي تَرْجَمَةِ الصِّحَاحِ جَعَلَ كُلَّ شَيْءٍ عَلَى مَا يَنْبَغِي كَأَنَّهُ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَالْعَدَالَةُ إنَّمَا تَظْهَرُ وَتُعْتَدُّ بِالتَّزْكِيَةِ وَمُزَكِّيهِمْ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ وَالصَّلَاحُ وَالدَّعَةُ وَمَعْنَى الِاسْتِوَاءِ الَّذِي فُسِّرَ بِالْعَدَالَةِ هُنَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَيْثُ انْتِفَاءُ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ أَوْ لِتَسَاوِي الْحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ فِي الشَّرِيعَةِ الْمَشْرُوعَةِ لَهُمْ.
وَأَمَّا فِي الْأُمَمِ السَّابِقَةِ قَدْ يَغْلِبُ جَانِبُ الْعَمَلِيَّةِ وَقَدْ يَغْلِبُ جَانِبُ النَّظَرِيَّةِ قِيلَ وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي كَوْنِهَا خَاتَمَ الشَّرِيعَةِ ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْعَدَالَةَ إمَّا لِلْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ أَوْ بِاعْتِبَارِ أَشْرَفِ الْأَجْزَاءِ وَإِلَّا فَبِاعْتِبَارِ الْكُلِّ الْإِفْرَادِيِّ مُشْكِلٌ ثُمَّ فِيهِ تَنْبِيهٌ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ ادَّعَى الْإِفْرَاطَ وَكَذَا التَّفْرِيطَ فِي الشَّرِيعَةِ وَإِشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ مُبَيِّنُ ذَلِكَ التَّوَسُّطِ الْأَصْلِيِّ الشَّرْعِيِّ وَأَيْضًا لَا يَبْعُدُ أَنْ يُشَارَ بِهِ إلَى الْأُمُورِ الَّتِي اخْتَارَ فِيهَا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ طَرِيقَةَ التَّوَسُّطِ كَالْجَبْرِ الْمُتَوَسِّطِ فِي قَاعِدَةِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَفِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيِّ وَالشَّرْعِيِّ بَلْ فِي قَاعِدَةِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ الْمُفَصَّلَةِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ فَفِيهِ إشَارَةٌ خَفِيَّةٌ إلَى إمْكَانِ دَلِيلِ الْمَسَائِلِ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَرَدٌّ لَطِيفٌ إلَى مُخَالِفِ الْمَسَائِلِ وَلَوْ كَانَ الْأَشْعَرِيُّ وَنَوْعُ بَرَاعَةِ اسْتِهْلَالٍ لِكُلِّ مَا ذَكَرَ مِنْ التَّوَسُّطِ وَتِلْكَ الْمَسَائِلِ ثُمَّ قِيلَ هَذَا اقْتِبَاسٌ مِنْ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ.
أَقُولُ الِاقْتِبَاسُ إمَّا بِأَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ تَغْيِيرٌ أَوْ يَكُونَ يَسِيرًا وَذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِضَرُورَةٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّغْيِيرَ هُنَا لَيْسَ بِيَسِيرٍ وَلَوْ سُلِّمَ فَلَيْسَ هُنَا ضَرُورَةٌ إذْ هِيَ عَلَى مَا فُهِمَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ النَّحْوِ وَزْنٌ أَوْ قَافِيَةٌ فَالْأَوْلَى أَنَّ مَا وُجِدَ فِيهِ نَحْوُ الِاقْتِصَاصِ الْمُفَسِّرِ بِكَوْنِ كَلَامٍ فِي صُورَةٍ مُقْتَصًّا مِنْ كَلَامٍ آخَرَ فِي صُورَةٍ أُخْرَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] مُقْتَصٌّ مِنْ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١]- كَمَا فِي الْإِتْقَانِ عَنْ ابْنِ فَارِسٍ (خَيْرَ أُمَمٍ) قِيلَ أَيْضًا هَذَا اقْتِبَاسٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى - ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]-.
أَقُولُ الْكَلَامُ كَالْكَلَامِ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ بَعْدَ صِحَّةِ الِاقْتِبَاسِ بِمُجَرَّدِ قَيْدٍ مِنْ الْكَلَامِ بَلْ الظَّاهِرُ مِنْ تَحْرِيرِهِمْ لُزُومُ أَصْلِ الْكَلَامِ ثُمَّ الظَّاهِرُ مِنْ خَيْرِيَّتِهِمْ مَا هُوَ مِنْ النِّسْبَةِ إلَى سَائِرِ الْأُمَمِ لِكَوْنِ نَبِيِّهِمْ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْرَمَ الْبَشَرِ وَسَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ وَأَفْضَلَ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأَعْلَاهُمْ دَرَجَةً وَأَقْرَبَهُمْ زُلْفَى بِلَا خِلَافٍ كَمَا فِي شِفَاءِ عِيَاضٍ وَقِيلَ لِكَوْنِ دِينِهِمْ خَيْرَ الْأَدْيَانِ لِأَنَّهُ رُفِعَ عَنْهُمْ الْإِصْرُ وَالْأَغْلَالُ الَّذِي كُلِّفَ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ مِنْ بَخْعِ النَّفْسِ فِي التَّوْبَةِ وَقَطْعِ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ وَخَمْسِينَ صَلَاةً فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَتَحْرِيمِ الْحَلَالِ عِنْدَ مَعْصِيَةٍ.
قَالَ تَعَالَى فِي شَأْنِهِمْ ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وَقَالَ ﷺ «بُعِثْت بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ» وَأَيْضًا حُفِظُوا مِنْ نَحْوِ الْمَسْخِ وَالْخَسْفِ الَّذِي عُوقِبَ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَقِيلَ لِكَوْنِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ أَكْثَرَ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ فِيهِمْ أَوْفَرَ وَلِأَنَّهُ تَعَالَى أَحْسَنَ إلَيْهِمْ بِمُقَابَلَةِ قَلِيلِ أَعْمَالِهِمْ ثَوَابًا عَظِيمًا وَأَكْرَمَهُمْ بِنَحْوِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَالْجُمُعَةِ خُصُوصًا وَقْتُهَا الْمَعْهُودُ.
اعْلَمْ أَنَّ هَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهِيَ نَازِلَةٌ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَمُقَاتِلٍ فِي حَقِّ نَحْوِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَمُعَاذٍ ﵃ حِينَ فَضَّلَ بَعْضُ الْيَهُودِ دِينَهُمْ عَنْ دِينِنَا فَكَيْفَ يَعُمُّ الْخَيْرِيَّةَ عَلَى جَمِيعِنَا حَتَّى يَصْلُحَ لَأَنْ يَكُونَ مَحْمُودًا عَلَيْهِ هُنَا وَقَدْ خَصَّ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الْآيَةَ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ الْمُهَاجِرِينَ بِرِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى الِاخْتِصَاصِ بِقَوْلِهِ ﷺ «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي» الْحَدِيثَ.
فَإِنْ قِيلَ لَا عِبْرَةَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ بَلْ بِعُمُومِ اللَّفْظِ قُلْنَا لَا عُمُومَ هُنَا لِأَنَّ كُنْتُمْ لَيْسَ عَامًّا بَلْ قَالُوا إنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي مُعَيَّنٍ وَلَمْ يَكُنْ عَامًّا فَمُخْتَصٌّ بِهِ قَطْعًا وَمَثَّلَ لَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ قَوْله تَعَالَى فِي حَقِّ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]- مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلَى حَصْرِ الْأَفْضَلِيَّةِ لَهُ وَدَفَعَ وَهْمَ تَسَاوِي مَنْ عَمِلَ عَمَلَهُ بِنَاءً عَلَى الْقَاعِدَةِ بِعَدَمِ الْعُمُومِ إذْ اللَّامُ لِلْعَهْدِ
1 / 8
لِلْقَرِينَةِ فَإِنْ قِيلَ إنَّ نَحْوَ كُنْتُمْ خِطَابٌ لِلْحَاضِرِينَ وَقْتَ النُّزُولِ حَقِيقَةً وَعَلَى الْغَائِبِينَ دَلَالَةً أَوْ مُقَايَسَةً أَوْ بِنَصٍّ كَمَا فِي مَحِلِّهِ قُلْنَا هَذَا قَرِيبٌ أَنْ يَكُونَ رَأْيًا فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ مِمَّا ذُكِرَ.
وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ فَضْلُ فَرْدٍ غَيْرِ صَحَابِيٍّ عَلَى بَعْضِ فَرْدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ ﷺ «طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي مَرَّةً وَطُوبَى لِمَنْ لَمْ يَرَنِي وَآمَنَ بِي سَبْعَ مَرَّاتٍ» .
وَبِقَوْلِهِ «أَفْضَلُ الْخَلْقِ إيمَانًا قَوْمٌ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي فَهُمْ أَفْضَلُ الْخَلْقِ إيمَانًا» كَمَا فِي الْمُنَاوِيِّ فَقَرِيبٌ بِظَاهِرِهِ أَنْ يَكُونَ تَرْجِيحًا لِلْآحَادِ عَلَى النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ وَالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ بَلْ الْمُتَوَاتِرُ إذْ الْأَحَادِيثُ فِي أَفْضَلِيَّةِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ مُتَوَاتِرَةُ الْمَعْنَى وَلِهَذَا قَالُوا فَضْلِيَّةُ الصُّحْبَةِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ لَا يُعَدُّ لَهَا عَمَلٌ ثُمَّ نَقُولُ فِي دَفْعِ الْإِشْكَالِ لَا يَلْزَمُ اسْتِفَادَةُ أَفْضَلِيَّةِ الْجَمِيعِ مِنْ تِلْكَ الْآيَةِ إذْ يَجُوزُ فَهْمُهَا مِنْ نَصٍّ آخَرَ وَيَجُوزُ فَضْلُ الْجِنْسِ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَلَوْ بِاعْتِبَارِ بَعْضِ أَفْرَادِهِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ نِعْمَةً مُوجِبَةً لِلْحَمْدِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكُلِّ لِظُهُورِ انْتِفَاءِ الْبَاقِينَ نَصًّا أَوْ عَقْلًا عَلَى أَنَّ ثُبُوتَ مَا ذُكِرَ مِنْ سَبَبِ النُّزُولِ وَالتَّخْصِيصِ غَيْرُ مَعْلُومٍ قَطْعًا فَنَعْمَلُ بِقِيَاسِنَا فِي مِثْلِ هَذَا الْخِطَابِ فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَالصَّلَاةُ) فِي الْقَامُوسِ الصَّلَاةُ الدُّعَاءُ وَالرَّحْمَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ وَحُسْنُ الثَّنَاءِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ فَمَا خُصَّ أَنَّ مِنْ اللَّهِ رَحْمَةٌ وَأَنَّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ دُعَاءٌ وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ فَلَيْسَ بِتَمَامِهِ لُغَوِيًّا لَعَلَّ لِهَذَا.
قَالَ الْفَاضِلُ الْمُنَاوِيُّ كَذَا أُثِرَ عَنْهُ الْخَبَرُ فَتَكُونُ مَعْنَى شَرْعِيًّا وَأَبْطَلَ مَنْ أَرْجَعَ الدُّعَاءَ وَالِاسْتِغْفَارَ إلَى طَلَبِ الرَّحْمَةِ بِلُزُومِ إرْجَاعِ جَمِيعِ الْمُشْتَرَكِ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ يَجْمَعُ الْجَمِيعَ وَهُوَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ جُمْلَةٌ إنْشَائِيَّةٌ أَلْبَتَّةَ وَلَيْسَ فِيهَا جِهَةُ الْإِخْبَارِيَّةِ كَالْحَمْدِ إذْ لَيْسَ الْأَخْبَارُ بِثُبُوتِ الدُّعَاةِ دُعَاءً فَلَا يَصِحُّ هُنَا غَيْرُ مَعْنَى الرَّحْمَةِ إذْ الْمَعْنَى أَيْ مَعْنَى الصَّلَاةِ صَلِّ بِمَعْنَى نَطْلُبُ الصَّلَاةَ أَيْ الرَّحْمَةَ وَلَا مَعْنَى مِنْ دُعَاءِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ اسْتِغْفَارِ الْمَلَائِكَةِ لَهُ ﵇ هُنَا وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ هُنَا مَا هِيَ مِنْ اللَّه فَقَطْ فَلَعَلَّ أَنَّ جُمْهُورَ الشُّرَّاحِ ذَهِلُوا فَوَقَعُوا عَلَى مَا وَقَعُوا بَلْ الظَّاهِرُ مِنْ الْقَامُوسِ أَنْ يُجْعَلَ الْمَطْلُوبُ حُسْنَ الثَّنَاءِ نَقَلَ عَنْ فَتْحِ الْبَارِي.
وَهَذَا أَوْلَى الْأَقْوَالِ فَتَأَمَّلْ ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ الرَّحْمَةِ أَوْ مِنْ حُسْنِ الثَّنَاءِ الرَّحْمَةُ الْخَاصَّةُ نَحْوُ الْوَسِيلَةِ الَّتِي أُمِرْنَا بِسُؤَالِهَا بِقَوْلِهِ ﷺ «سَلُوا لِي الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَالدَّرَجَةَ الْعَالِيَةَ الرَّفِيعَةَ» وَنَحْوُ إبْقَاءِ الشَّرِيعَةِ وَتَكْثِيرِ الْأُمَّةِ وَتَشْفِيعِهِ فَإِنَّهُ لَا نِهَايَةَ لِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا غَايَةَ لِإِحْسَانِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يُحَسِّنَهُ تَعَالَى بِسَبَبِ دُعَائِنَا غَيْرَ إحْسَانِهِ مِنْ كَرَمِهِ وَمِنْ مُجَازَاةِ أَعْمَالِهِ ﷺ فَنَوْعٌ مِنْ الرَّحْمَةِ مَنُوطٌ بِدُعَاءِ الْأُمَّةِ كَسَائِرِ الْعَادِيَّات عَلَى حِكْمَتِهِ وَمِنْ الْحِكْمَةِ تَثْوِيبُ الْمُصَلِّي وَتَقْرِيبُهُ وَرَبْطُ عَلَاقَةٍ وَمَحَبَّةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَبِيِّهِ ﷺ حَتَّى يَكُونَ شَفِيعَهُ أَوْ صَاحِبَهُ بَلْ رَفِيقَهُ وَيَقْضِي بِهَا حَاجَاتِهِ وَقِيلَ فَائِدَةُ الصَّلَاةِ مُجَرَّدُ التَّقَرُّبِ بِامْتِثَالِ أَمْرِهِ تَعَالَى وَقَضَاءِ حَقِّ نَبِيِّهِ ﷺ أَقُولُ هَذَا كَلَامٌ ظَاهِرِيٌّ إذْ يُقَالُ حِينَئِذٍ مَا فَائِدَةُ أَمْرِهِ تَعَالَى وَكَيْفَ يَقْضِي حَقَّهُ بِمَا لَا فَائِدَةَ لَهُ وَقِيلَ لَمَّا وَجَبَ عَلَيْنَا شُكْرُ نِعَمِهِ ﷺ مَعَ عَجْزِنَا عَنْهُ أَمَرَنَا اللَّهُ بِهَا شَفَقَةً لَنَا وَإِلَّا كَيْفَ يُتَصَوَّرُ الشَّفَاعَةُ لِمَنْ يَشْفَعُ لِلْكُلِّ وَهَذَا قَرِيبٌ لِمَا ذُكِرَ آنِفًا عَلَى أَنَّهُ تَكْلِيفُ الْعَاجِزِ عَنْ الشُّكْرِ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ وَبِالْجُمْلَةِ إنْ كَانَ الصَّلَاةُ شُكْرَهَا فَلَيْسَ بِعَجْزٍ وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهَا فَائِدَةٌ عَلَى أَنَّ الشُّكْرَ لَيْسَ بِعَقْلِيٍّ بَلْ شَرْعِيٌّ فَالْأَوْلَى مَا قَدَّمْنَا وَهُوَ أَيْضًا أَوْلَى مِمَّا نُسِبَ إلَى بَعْضِ الْعَارِفِينَ وَقَرِيبٌ إلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ مِنْ أَنَّ فَائِدَتَهَا تَرْجِعُ إلَى الْمُصَلِّي فَقَطْ لِدَلَاتِهَا عَلَى صِدْقِ الْعَقِيدَةِ وَإِظْهَارِ الْمَحَبَّةِ وَاحْتِرَامِ الْوَاسِطَةِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى تَفْسِيرِ الصَّلَاةِ بِالرَّحْمَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]- أَقُولُ قَدْ عَرَفْت مَا فِي الْقَامُوسِ مِنْ حُسْنِ الثَّنَاءِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِقَرِينَةِ الْقَابِلَةِ وَإِنَّ مِنْ خَوَاصِّ الْوَاوِ عَطْفُ الشَّيْءِ عَلَى مُسَاوِيهِ بَلْ عَلَى مُرَادِفِهِ ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ بِغَيْرِ تَبَعٍ قِيلَ تَجُوزُ وَالْأَصَحُّ لَا تَجُوزُ فَأَوْرَدَ بِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى» وَدُفِعَ بِكَوْنِهِ مِنْ خَوَاصِّ النَّبِيِّ أَقُولُ يُرَدُّ عَلَيْهِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى - ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٣]
1 / 9
﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] فَالْوَجْهُ مَا قَالُوا مِنْ جَعْلِهِمْ ذَلِكَ شِعَارَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّلَاةُ عَلَى غَيْرهمْ صَارَتْ شِعَارَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ لِمَنْ يَعْتَقِدُونَ فِيهِ الْعِصْمَةَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ هِيَ حَرَامٌ أَوْ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى أَقْوَالٌ أَرْجَحُهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ بَقِيَ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي حُكْمِهَا قِيلَ مُسْتَحَبٌّ وَقِيلَ وَاجِبٌ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْوُجُوبِ أَيْضًا هَلْ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ قِيلَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لَكِنْ فِي شِفَاءِ عِيَاضٍ فَرْضٌ عَلَى الْجُمْلَةِ غَيْرُ مَحْدُودٍ بِوَقْتٍ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْوُجُوبِ وَمَا ادَّعَى الطَّبَرِيِّ مِنْ إجْمَاعِ الِاسْتِحْبَابِ فَلَعَلَّهُ فِيمَا زَادَ عَلَى مَرَّةٍ ثُمَّ الْمَفْهُومُ مِنْ طَوِيلِ كَلَامِهِ الْمَرَّةُ فِي الْعُمُرِ فَرْضٌ وَالْإِكْثَارُ وَاجِبٌ.
وَأَمَّا حُكْمُهَا فِي الصَّلَاةِ فَمَعْلُومٌ مِنْ الْفِقْهِيَّةِ خِلَافًا وَوِفَاقًا ثُمَّ تَكْرَارُ الْوُجُوبِ عِنْدَ تَكَرُّرِ ذِكْرِ اسْمِهِ الشَّرِيفِ ﷺ عَلَى الذَّاكِرِ وَالسَّامِعِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ كَالطَّحَاوِيِّ وَالْحَلِيمِيِّ قِيلَ وَهُوَ مَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَعَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الْأَحْوَطُ وَفِي الْقُنْيَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ الْمُخْتَارُ وَقِيلَ بِكِفَايَةِ وَاحِدَةٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَلَوْ كُرِّرَ مِرَارًا وَنُسِبَ إلَى التِّرْمِذِيِّ.
وَفِي الأسروشنية وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَقِيلَ تَجِبُ إلَى ثَلَاثٍ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِمُصَنَّفِهِ الْفَتْوَى عَلَى الِاسْتِحْبَابِ فِيمَا عَدَا الْفَرْضَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ.
قَالَ فِي الأسروشنية وَلَوْ سَلَّمَ بَدَلَ التَّصْلِيَةِ جَازَ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة إذَا كَانَ السَّامِعُ قَارِئَ قُرْآنٍ لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ فَلَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ فَحَسَنٌ لَكِنْ فِي بَعْضِ الرَّسَائِلِ عَنْ الْجَزَرِيِّ إذَا مَرَّ بِذِكْرِهِ حَالَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَلَوْ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ يَأْتِي بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي الأسروشنية لَا يَأْتِي فِي الْحَالِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ أَفْضَلُ وَلَوْ أَتَى بَعْدَ الْفَرَاغِ حَسَنٌ فَإِنْ قِيلَ الْإِتْيَانِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ يَعْنِي فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ مِنْ أَيْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ قُلْت لَعَلَّهُ مُسْتَحَبٌّ لِحَدِيثٍ أُسْنِدَ إلَى الْجَزَرِيِّ كُلُّ كَلَامٍ لَا يُذْكَرُ اللَّهُ تَعَالَى فَيُبْدَأُ بِهِ وَبِالصَّلَاةِ عَلَيَّ فَهُوَ مَمْحُوقٌ مِنْ كُلِّ بَرَكَةٍ.
وَكَذَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ يُؤْتَى فِي ابْتِدَاءِ التَّذْكِيرِ وَالشُّرُوعِ فِي الدَّرْسِ بِتَبْلِيغِ الْعِلْمِ وَفِي طَالِعِ الْمَسَرَّاتِ بِاسْتِحْبَابِهِ كُلُّ مُصَنِّفٍ وَدَارِسٍ وَمُدَرِّسٍ وَالْكُلُّ يَدَّعِي بِنَاءَ كَلَامِهِ عَلَى الْأَثَرِ فَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مِنْ الْوُجُوبِ كَالْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ فَلَعَلَّهُ عَادِيٌّ أَوْ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ الْوُجُوبَ الشَّرْعِيَّ يُؤْخَذُ مِنْ الْأَئِمَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَمْ يُسْمَعْ.
قَالَ الْقُطْبُ فِي شَرْحِ الْمَطَالِعِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْكِمَالَاتِ مُسْتَفَاضَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَالنَّفْسُ الْإِنْسَانِيَّةُ فِي غَايَةِ الْعَلَائِقِ الْبَدَنِيَّةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى فِي غَايَةِ التَّجَرُّدِ عَنْهَا فَلَا بُدَّ مِنْ وَاسِطَةٍ ذِي جِهَتَيْنِ التَّجَرُّدُ وَالتَّعَلُّقُ فَالنَّفْسُ تَسْتَفِيضُ مِنْ الْوَاسِطَةِ بِجِهَةِ التَّعَلُّقِ وَالْوَاسِطَةُ تَسْتَفِيضُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِجِهَةِ التَّجَرُّدِ فَالْوَاسِطَةُ لَنَا مَالِكُ أَزِمَّةِ الْجِهَتَيْنِ ﷺ وَلَا بُدَّ لَنَا مِنْ وَاسِطَةٍ أَيْضًا إلَى ذَلِكَ الْوَاسِطَةِ لِكَمَالِ قُصُورِنَا وَهُوَ الصَّلَاةُ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الْوَسَائِلِ.
قَالَ الشَّرِيفُ فِي حَاشِيَتِهِ هَذَا إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي صِحَّتِهِ ﵊ وَأَمَّا بَعْدُ فَمُجَرَّدٌ مَحْضٌ فَالْمُنَاسَبَةُ مُنْتَفِيَةٌ ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ أَثَرَ الْقُوَّةِ الْمَاضِيَةِ بَاقٍ فِيهِمْ بَعْدَ انْتِقَالِهِمْ كَمَا يُشَاهِدُ زُوَّارُ قُبُورِهِمْ فَيَضَانَ أَنْوَارِهِمْ مِنْ أَرْبَابِ الْبَصَائِرِ أَقُولُ هَذَا أَمْرٌ نِزَاعِيٌّ بَيْنَ الْمُتَصَوِّفَةِ وَبَيْنَ أَكْثَرِ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ الْبَيْضَاوِيُّ فِي طَوَالِعِهِ وَفِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ تَفْسِيرِهِ وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَامَ فِي حَاشِيَتِنَا عَلَيْهِ فِي سُورَةِ النَّازِعَاتِ
(وَالسَّلَامُ) أَيْ التَّسْلِيمُ مِنْ الْآفَاتِ الْمُنَافِيَةِ لِغَايَةِ الْكَمَالِ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَمَلًا بِصُورَةِ قَوْله تَعَالَى - ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]- أَوْ عَمَلًا بِالِاتِّفَاقِ وَأَخْذًا بِالْعَزِيمَةِ وَالِاحْتِيَاطِ لِأَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِأَحَدِهِمَا هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ؟ أَوْ تَرْكُ الْأَوْلَى؟ أَقْوَالٌ رَجَّحَ الْكَرَاهَةَ النَّوَوِيُّ فِي أَذْكَارِهِ وَرَدَّهُ فِي جَامِعِ الرُّمُوزِ وَأَيْضًا عَنْ النَّخَعِيِّ عَدَمُ الْكِرْهَةِ.
قَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ لَا كَرَاهَةَ خِلَافًا لِلنَّوَوِيِّ وَالْوَاوُ فِي الْآيَةِ لَا يَقْتَضِي الْجَمْعَ عِنْدَ ذِكْرِ أَحَدِهِمَا بَلْ إذَا صَلَّى فِي وَقْتٍ وَسَلَّمَ فِي آخَرَ يُوجَدُ الِامْتِثَالُ لِأَنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ وَعَنْ الْعَسْقَلَانِيِّ إنْ صَلَّى فِي وَقْتٍ وَسَلَّمَ فِي وَقْتٍ لَا يُكْرَهُ وَإِلَّا كُرِهَ وَفِي الْمُنَاوِيِّ اخْتِيَارُ جَانِبِ الْكَرَاهَةِ وَبِالْجُمْلَةِ الِاحْتِيَاطُ فِي الْإِنْفَاقِ وَالْعَمَلُ بِالْعَزِيمَةِ أَوْلَى فَإِنْ قِيلَ قَدْ نَرَى فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ جَمْعَهُمَا وَفِي بَعْضِهَا بِانْفِرَادِ الصَّلَاةِ وَبَعْضِهَا بِانْفِرَادِ
1 / 10