212

Badāʾiʿ al-ṣanāʾiʿ fī tartīb al-sharāʾiʿ

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

Publisher

مطبعة شركة المطبوعات العلمية ومطبعة الجمالية ووصَوّرتْها: دار الكتب العلمية وغيرها

Edition

الأولى

Publication Year

1327-1328

Publisher Location

القاهرة وبيروت

مُخَالِفَةٌ لِلْإِجْمَاعِ فَإِنَّ الطَّحَاوِيَّ قَالَ: مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ وَهُوَ كَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ بِمَذْهَبِ السَّلَفِ وَكَفَى بِمُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ فَسَادًا فِي الْمَذْهَبِ؛ وَلِأَنَّ هَذَا دُعَاءٌ وَمَحَلُّ الدُّعَاءِ آخِرُ الصَّلَاةِ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْحَدِيثِ سَلَامُ التَّشَهُّدِ أَوْ نَحْمِلُهُ عَلَى التَّطَوُّعَاتِ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ مِنْ التَّطَوُّعِ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ وَلَوْ زَادَ عَلَى التَّشَهُّدِ قَوْلَهُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ سَاهِيًا لَا يَلْزَمُهُ سُجُودُ السَّهْوِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَذُكِرَ فِي أَمَالِي الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَالْمَسْأَلَةُ قَدْ مَرَّتْ.
وَأَمَّا فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ فَيَدْعُو بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَيَسْأَلُ حَاجَتَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧] جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الدُّعَاءُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ فَانْصَبْ لِلدُّعَاءِ، وَقَالَ ﷺ لِابْنِ مَسْعُودٍ: «إذَا قُلْتَ هَذَا أَوْ فَعَلْتَ هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ، ثُمَّ اخْتَرْ مِنْ الدَّعَوَاتِ مَا شِئْت» وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَ بِمَا لَا يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ حَتَّى يَكُونَ خُرُوجُهُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ وَهُوَ إصَابَةُ لَفْظَةِ السَّلَامِ، وَفَسَّرَهُ أَصْحَابُنَا فَقَالُوا: مَا يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ هُوَ مَا لَا يَسْتَحِيلُ سُؤَالُهُ مِنْ غَيْرِهِ تَعَالَى كَقَوْلِهِ أَعْطِنِي كَذَا أَوْ زَوِّجْنِي امْرَأَةً، وَمَا لَا يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ هُوَ مَا يَسْتَحِيلُ سُؤَالُهُ مِنْ غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَنَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ يُقَدِّمُ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.
وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ أَنَّهُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَدْعُو بِحَاجَتِهِ وَيَسْتَغْفِرُ لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْهِ إنْ كَانَا مُؤْمِنَيْنِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ أَنْ يُقَدِّمَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الدُّعَاءِ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إلَى الْإِجَابَةِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ ثُمَّ بِالصَّلَاةِ عَلَيَّ ثُمَّ بِالدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ» مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ الْمُتَدَاوَلُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْأُمَّةِ، وَلَا يُكْرَهَ أَنْ يَقُولَ فِيهَا: وَارْحَمْ مُحَمَّدًا عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ، وَبَعْضُهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ وَزَعَمُوا أَنَّهُ يُوهِمُ التَّقْصِيرَ مِنْهُ فِي الطَّاعَةِ وَلِهَذَا لَا يُقَالُ عِنْدَ ذِكْرِهِ: ﵀ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ أَحَدًا وَإِنْ جَلَّ قَدْرُهُ مِنْ الْعِبَادِ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ إلَّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ قِيلَ: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: وَلَا أَنَا إلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ» دَلَّ عَلَيْهِ أَنَّهُ جَازَ قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَالصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ رَحْمَةٌ ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ عِنْدَنَا بَلْ هِيَ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَرْضٌ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِدُونِهَا وَهِيَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَلَهُ فِي فَرْضِيَّةِ الصَّلَاةِ فِي الْأُولَى قَوْلَانِ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] وَمُطْلَقُ الْأَمْرِ لِلْفَرْضِيَّةِ، وَقَالَ ﷺ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ فِي صَلَاتِهِ» وَلَنَا مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بِتَمَامِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الْقُعُودِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَا حُجَّةَ فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا النَّدْبُ بِدَلِيلِ مَا رَوَيْنَا وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ أَنَّهُمَا قَالَا: الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَنَةٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ بَلْ يَقْتَضِي الْفِعْلَ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَقَدْ قَالَ الْكَرْخِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرْضُ الْعُمُرِ كَالْحَجِّ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ تَعْيِينُ حَالَةِ الصَّلَاةِ وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» وَبِهِ نَقُولُ.
وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي غَيْرِ حَالَةِ الصَّلَاةِ فَقَدْ كَانَ الْكَرْخِيُّ يَقُولُ: إنَّهَا فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ بَالِغٍ عَاقِلٍ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: كُلَّمَا ذَكَرَهُ أَوْ سَمِعَ اسْمَهُ تَجِبُ.
وَجْهُ قَوْلِ الْكَرْخِيِّ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ فَإِذَا امْتَثَلَ مَرَّةً فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُ كَمَا يَسْقُطُ فَرْضُ الْحَجِّ بِالْحَجِّ مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَجْهُ مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ هُوَ الذِّكْرُ أَوْ السَّمَاعُ، وَالْحُكْمُ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ السَّبَبِ كَمَا يَتَكَرَّرُ وُجُوبُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْعِبَادَاتِ بِتَكَرُّرِ أَسْبَابِهَا.
وَأَمَّا بَيَانُ أَنَّهُ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ، فَأَمَّا التَّشَهُّدُ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى فَوَاجِبٌ اسْتِحْسَانًا وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو جَعْفَرٍ الْأُسْرُوشَنِيُّ: إنَّهُ سَنَةٌ وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ التَّشَهُّدِ أَدْنَى رُتْبَةً مِنْ الْقَعْدَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَعْدَةَ الْأَخِيرَةَ لَمَّا كَانَتْ فَرْضًا كَانَتْ الْقِرَاءَةُ فِيهَا وَاجِبَةً؟ فَالْقَعْدَةُ الْأُولَى لَمَّا كَانَتْ وَاجِبَةً يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ فِيهَا سُنَّةً لِيَظْهَرَ انْحِطَاطُ رُتْبَتِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ وَاجِبٌ فَإِنَّ مُحَمَّدًا أَوْجَبَ سُجُودَ السَّهْوِ بِتَرْكِهِ سَاهِيًا وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا

1 / 213