Badāʾiʿ al-ṣanāʾiʿ fī tartīb al-sharāʾiʿ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
Publisher
مطبعة شركة المطبوعات العلمية ومطبعة الجمالية ووصَوّرتْها: دار الكتب العلمية وغيرها
Edition
الأولى
Publication Year
1327-1328
Publisher Location
القاهرة وبيروت
Genres
•Hanafi jurisprudence
Regions
•Syria
لِأَنَّهُ لَا قِرَاءَةَ عَلَيْهِ، وَعِنْدَهُ يَتَعَوَّذُ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِالثَّنَاءِ فَيَأْتِي بِمَا هُوَ تَبَعٌ لَهُ، وَالثَّانِيَةِ الْمَسْبُوقُ إذَا شَرَعَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ وَسَبَّحَ لَا يَتَعَوَّذُ فِي الْحَالِ وَإِنَّمَا يَتَعَوَّذُ إذَا قَامَ إلَى قَضَاءِ مَا سُبِقَ بِهِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتُ الْقِرَاءَةِ وَعِنْدَهُ يَتَعَوَّذُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّسْبِيحِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ، وَالثَّالِثَةِ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ يَأْتِي بِالتَّعَوُّذِ بَعْدَ التَّكْبِيرَاتِ عِنْدَهُمَا إذَا كَانَ يَرَى رَأْيَ ابْنِ عَبَّاسِ أَوْ رَأْيَ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتُ الْقِرَاءَةِ، وَعِنْدَهُ يَأْتِي بِهِ بَعْدَ التَّسْبِيحِ قَبْلَ التَّكْبِيرَاتِ لِكَوْنِهِ تَبَعًا لَهُ.
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ التَّعَوُّذِ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ أَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ أَوْ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ؛ لِأَنَّ أَوْلَى الْأَلْفَاظِ مَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ وَقَدْ وَرَدَ هَذَانِ اللَّفْظَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ بَابِ الثَّنَاءِ وَمَا بَعْدَ التَّعَوُّذِ مَحَلُّ الْقِرَاءَةِ لَا مَحَلُّ الثَّنَاءِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجْهَرَ بِالتَّعَوُّذِ؛ لِأَنَّ الْجَهْرَ بِالتَّعَوُّذِ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ أَنَّهُمَا قَالَا: أَرْبَعٌ يُخْفِيهِنَّ الْإِمَامُ وَذَكَرَ مِنْهَا التَّعَوُّذَ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَذْكَارِ هُوَ الْإِخْفَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥] فَلَا يُتْرَكُ إلَّا لِضَرُورَةٍ ثُمَّ يُخْفِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجْهَرُ بِهِ.
وَالْكَلَامُ فِي التَّسْمِيَةِ فِي مَوَاضِعَ، أَحَدِهَا أَنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ أَمْ لَا، وَالثَّانِي أَنَّهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ أَمْ لَا، وَالثَّالِثِ أَنَّهَا مِنْ رَأْسِ السُّورَةِ أَمْ لَا، وَيَنْبَنِي عَلَى كُلِّ فَصْلٍ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ مَكْتُوبًا بِقَلَمِ الْوَحْيِ فَهُوَ مِنْ الْقُرْآنِ وَالتَّسْمِيَةُ كَذَلِكَ، وَكَذَا رَوَى الْمُعَلَّى عَنْ مُحَمَّدٍ فَقَالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدٍ: التَّسْمِيَةُ آيَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كُلُّهُ قُرْآنٌ، فَقُلْتُ: فَمَا بَالُكَ لَا تَجْهَرُ بِهَا فَلَمْ يُجِبْنِي.
وَكَذَا رَوَى الْجَصَّاصُ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: التَّسْمِيَةُ آيَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ أُنْزِلَتْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّورَةِ لِلْبُدَاءَةِ بِهَا تَبَرُّكًا وَلَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ قَالَ: ثُمَّ يَفْتَتِحُ الْقِرَاءَةَ وَيُخْفِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا أَنَّ فَرْضَ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ يَتَأَدَّى بِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا قَرَأَهَا عَلَى قَصْدِ الْقِرَاءَةِ دُونَ الثَّنَاءِ عِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا؛ لِأَنَّهَا آيَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ.
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّ مَنْ تَرَكَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الْقُرْآنِ فَقَدْ تَرَكَ مِائَةً وَثَلَاثَ عَشْرَةَ آيَةً، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَتَأَدَّى؛ لِأَنَّ فِي كَوْنِهَا آيَةً تَامَّةً احْتِمَالٌ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إلَّا فِي سُورَةِ النَّمْلِ، وَإِنَّهَا فِي النَّمْلِ وَحْدَهَا لَيْسَتْ بِآيَةٍ تَامَّةٍ وَإِنَّمَا الْآيَةُ قَوْلُهُ ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] فَوَقَعَ الشَّكُّ فِي كَوْنِهَا آيَةً تَامَّةً فَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِالشَّكِّ وَكَذَا يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ قِرَاءَتُهَا عَلَى قَصْدِ الْقُرْآنِ.
أَمَّا عَلَى قِيَاسِ رِوَايَةِ الْكَرْخِيِّ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ الْآيَةِ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ، وَكَذَا عَلَى رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا آيَةٌ تَامَّةٌ فَتَحْرُمُ قِرَاءَتُهَا عَلَيْهِمْ احْتِيَاطًا.
وَأَمَّا الثَّانِي وَالثَّالِثُ فَعِنْدَ أَصْحَابِنَا لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ وَلَا مِنْ رَأْسِ كُلِّ سُورَةٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَهُ فِي كَوْنِهَا مِنْ رَأْسِ كُلِّ سُورَةٍ قَوْلَانِ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: لَا أَعْرِفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا عِنْدَ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا فِي الِاخْتِلَافِ نَصًّا لَكِنَّ أَمْرَهُمْ بِالْإِخْفَاءِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ؛ لِامْتِنَاعِ أَنْ يَجْهَرَ بِبَعْضِ السُّورَةِ دُونَ الْبَعْضِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ سَبْعَ آيَاتٍ إحْدَاهُنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» فَقَدْ عَدَّ التَّسْمِيَةَ آيَةً مِنْ الْفَاتِحَةِ دَلَّ أَنَّهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ؛ وَلِأَنَّهَا كُتِبَتْ فِي الْمَصَاحِفِ عَلَى رَأْسِ الْفَاتِحَةِ وَكُلُّ سُورَةٍ بِقَلَمِ الْوَحْيِ فَكَانَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ وَمِنْ كُلِّ سُورَةٍ، وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ خَبَرًا عَنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: «قَسَّمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَقُولُ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدِهِمَا أَنَّهُ بَدَأَ بِقَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا بِقَوْلِهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ لَكَانَتْ الْبُدَاءَةُ بِهَا لَا بِالْحَمْدِ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ نَصَّ عَلَى الْمُنَاصَفَةِ وَلَوْ كَانَتْ التَّسْمِيَةُ مِنْ الْفَاتِحَةِ لَمْ تَتَحَقَّقْ الْمُنَاصَفَةُ بَلْ يَكُونُ مَا لِلَّهِ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ أَرْبَعُ آيَاتٍ وَنِصْفٌ؛ وَلِأَنَّ كَوْنَ الْآيَةِ مِنْ سُورَةِ كَذَا وَمِنْ مَوْضِعِ كَذَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالدَّلِيلِ الْمُتَوَاتِرِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ
1 / 203