Al-Ashbāh waʾl-naẓāʾir fī fiqh al-shāfiʿiyya
الأشباه والنظائر في فقه الشافعية
Publisher
دار الكتب العلمية، 2002
قاعدة
بسم الله الرحمن الرحيم ، رب يس
اذا دار فعل النبي بين أن يكون جبليا ، وبين أن يكون شرعيا، فهل يحمل على الجبلي ؛ لأن الأصل عدم التشريع ، أو على الشرعي ؛ لأنه ه بعث لبيان الشرعيات م وفيه خلاف في صور : منها : أنه دخل من ثنية كدا ، وخرج من ثنية كدى .
فهل كان ذلك ؛ لأنه صادف طريقه، أو لأنه سنة؟ فيه وجهان : الصحيح أنه
ومنها : جلسة الاستراحة عندما حمل اللحم ، فقيل : ذلك جبلي فلا ستحب ، وقيل : شرعي، وهو الصحيح، وقيل : يستحب للمبدن.
وفي معناه العاجز الضعيف دون غيرهما .
.
ومنها : ذهابه في العيد في طريق، وإتيانه في آخر11) . وهذه تلتفت على قاعدة أخرى، وهي إذا فعل النبي فعلا لمعنى، ووجد ذلك المعنى في غيره، فلا خلاف
Page 12
في أن حكم غيره كحكمه؛ أخذا من قاعدة التأسي .
وإن لم يوجد ذلك المعنى في غيره، فهل يكون حكم غيره كحكمه؛ نظرا إلي مطلق التأسي، أو لا يكون كذلك؛ نظرا إلى انتفاء المعنى: فيه خلاف في صور: منها: هذه الصورة ، فإذا قيل : إن ذلك شرعي. فقيل: كان ليستفتى في الطريق. وقيل : ليتصدق فيهما. وقيل: ليسوي بين القبيلتين. وقيل: لتشهد له البقعتان. وقيل: ليزور المقابر فيهما. وقيل: ليغيظ المنافقين . والأصح: أنه كان ي ذهب في البعدي، ويأتي في القربي؛ لأن الحسنات تكثر له في الذهاب دون الرجوع فمن وجد فيه معنى من هذه المعاني فلا خلاف في أن حكمه كحكمه عند القائل بذلك المعنى، وأما من لا يوجد فيه ذلك المعنى، فعند القائل خلاف . الأصح: أنه مستحب : ومنها: أن النبي ه كان يوفي دين من مات وعليه دين. واختلف فيه هل كان واجبا عليه، أو مستحباة .
وعلى كل قول : فذلك المعنى، وهو : أنه لاه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فهل يجب على اللإمام أن يوفي دين من مات وعليه دين من المسلمين من مال المصالح؟ فيه وجهان.
ومنها : أنه لالله قال ليهود خيبر : "أقركم ما أقركم الله" . والمعنى فيه انتظار الوحي، وهو منتف في حق غيره فلو قال الإمام : أقركم ما شئت، فيه وجهان .
قال الرافعي: لم يصح على المذهب ، وتبعه في الروضة في كلام الإمام ما يقتضي الصحة ، والله أعلم
Page 13
قاعدة
منشأ الخلاف في فروع بعد الاتفاق على أصلها؛ تارة يكون بعد تعين العلة وتارة يكون قبل تعينها.
القسم الأول: مثاله : الاتفاق على أن الماء المطلق متعين للطهورية الحاصلة بالماء، ووقع اختلاف في فروع كالمتغير بأوراق الشجر وبالتراب المطروح قصدا، فهذا الخلافا يعرض على وجوه.
أحدها : أن يكون الارتباط بالاسم، كما في هذا المثال؛ فإن اختصاص الطهورية بالماء إما تعبد لا يعقل معناه، وإما أن يعلل باختصاص الماء بنوع من اللطافة والرقة، والتفرد في التركيب الذي لا يشاركه فيه سائر المائعات . وعلى كل واحد من القولين : المناط الاسم.
أما إن كان تعبدا فواضح؛ وإن كان معقول المعنى فإطلاق الاسم دال على وجود هذه الصفات أو أكثرها . فإذا اختلف في تراب طرح، أو ملح، أو ورق - م ثلا - فذلك اختلاف في أن الاسم سلب أو لا ، فلو اتفق على زوال الاسم اتفق على زوال الطهورية، ولو اتفق على بقاء الاسم اتفق على بقاء الطهورية الوجه الثاني: أن يتعلق بالعرف، كالغرر المجتنب في البيع بالنص المرجوع فيه الى العرف ، فإذا اختلف في بيع الغائب إذا ذكر وصفه وصفته ، وأثبت خيار الرؤية آل الخلاف إلى أن مثل هذا هل ينفي الغرر عرفا، أو لا ؟
الوجه الثالث: أن يكون المرجع فيه إلى الجنس . كالماء الكثير المتغير إذا زال تغيره بالماء ، فهذا طهور ولا شك فيه ، وإن زال بالمسك فلا ؛ لان الرائحة مستترة برائحة
Page 14
غيره ، وإن زال بالتراب : فالخلاف منشؤه أن التراب هل هو مزيل، أو ساتر؟ ، فلو اتفق على أنه مزيل لجعل كالماء. ولو اتفق على أنه ساتر، لجعل كالزعفران . وفي مثل هذا المكان إذا أمعن النظر حصل القطع ، أو الظن القريب من القطع. القفسم الثاني: ما يكون قبل تعين العلة، وهو على وجهين: أحدهما : أن يكون الأصل والغرع مشتركين في عموم معنى كلي كيفما فرضت العلة، كإلحاق الأمة بالعبد في عتق أحد الشريكين . أو أن يشتركا في وصف صفتين، كإلحاق سؤر الخنزير بسؤر الكلب، فهذا الإلحاق ؛ إن كان جليا لم يطل فيه النزاع ، وقطع به، وابتدره الفهم ، من غير تأمل، كالأمة مع العبد. وإن كان خفيا قامت بالنفس إشارات لا تحصلها العبارات.
الوجه الثاني : أن يقع النزاع في تعبين العلة، أو في تعيين ضبط أوصافها،اا كوقوع الاختلاف في علة سلب الماء المستعمل الطهورية . هل هي أداء العبادة حتى يشركه المستعمل في تجديد الوضوء وغيره من الطهارات المسنونة، أو انتقال المنع إليه، فلا يشركه ذلك؟ وفي مثل هذا يطول النظر، ويعظم الخطر. والله أعلم.
Page 15
قاعدة
قد اشتهر من قواعد أصول الفقه أن الأحكام إنما هي من جهة الشرع، وليس منها شيء عقلي وأطلق الشافعي أن النجش حرام ، وقيد حرمة البيع على بيع أخيه بمعرفة الخبر ، فقال بعض الأصحاب : لأن النجش خداع وحرمته معروفة بالعقل، بخلاف البيع على البيع. وهذا غير صحيح؛ لما تقرر في الأصول، ثم البيع على البيع إضرار بالغير، وهو بالنسبة إلى التحريم العقلي كالخداع والتغرير .
وقد اختلف المذهب في أحكام التغرير: وضابطه: أن التغرير تارة يكون قوليا وتارة يكون فعليا. وترتب آثاره بحسب قوته وضعفه. وبيانه بصور: منها : تلقي الركبان مثبت للخيار قطعا ؛ للخبر. وهو ثابت حسيث يتلقاهم، ويشتري بأرخص من سعر البلد، سواء أخبر بأنقص من سعر البلد، أو لم يخبر، فإن اشترى بمثل سعره أو أكثر ، فوجهان: الأصح : لا يثبت ، للحكمة.
ووجه الآخر : الخبر، وهو الوصف .
ولو تلقى، وباع منهم، فوجهان:
Page 16
أحدهما : يلتحق بالمتلقي ، نظرا إلى الحكمة .
والثاني : لا يلتحق.
ومنها : النجش إذا كان على مواطأة من البائع، ففي ثبوت الخيار وجهان، قال الرافعي: أشبههما عند الأئمة، وبه قال ابن أبي هريرة: إنه لا خيار ، والثاني : يثبت، وهو اختيار أبي إسحاق .
ومنها : إذا قلنا : إن كفارة الجماع تلاقي الزوجة، ويتحمل الزوج عنها؛ فلو قدم المسافر مفطرا، فأخبرته أنها مفطرة وكانت صائمة، قال العراقيون : تجب عليها الكفارة؛ لأنها غرته، وهو معذور. وقال الرافعي: يشبه أن يكون هذا جوابا على قولنا: إن المجنون لا يتحمل، وإلا فليس العذر هاهنا أوضح من العذر في المجنون.
وما ذكره الرافعي فيه نظر؛ من جهة أن المرأة هنا منسوبة إلي التغرير فهي ورطته في الفعل ، بخلاف مسألة المجنون ، حيث قلنا : - يتحمل عنها على الأضعف. ولو فرض أنها مكنت المجنون من نفسها ، فهو نظير التغرير من وجه .
ومنها : التصرية ، وهي مثبتة للخيار قطعا في النعم ، وفي الحيوان المأكول غيرها وجه : أنها لا تثبت الخيار فيه .
وفي الأتان والجارية وجهان ، والأصح : ثبوتها فيهما .
ثم هذا الخيار مستنده التغرير أو الغرور ، وجهان ، رجح الغزالي الأول والبغوي الثاني . وعليه ينبني ما لو تحفلت الناقة نفسها، أو ترك المالك الحلاب ناسيا أو لشغل عرض.
Page 17
ومنها : لو حبس ماء القناة، أو الرحى، ثم أرسله عند البيع، أو الإجارة، شبت الخخيار .
ومنها : لو جعد الشعرر1) ، أو حمر الوجه .
ومنها : لو غرغاصب الطعام من أكله، بأن قدمه إلى ضيف فأكله الضيف جاهلا، فالصحيح الجديد : أن القرار على الاكل ؛ لأنه المتلف . فإذا غرم لم يرجع على الغاصب. فلو قال له : هذا ملكى فأكله الضيف، ثم غرم المغصوب منه الغاصب؛ قال المزنييرجع الغاصب على المغرور) . وغلطه الأصحاب؛ لأن قوله : هذا ملكي، اعتراف بأنه مظلوم بما غرم، والمظلوم لا يرجع على غير الظالم.
ولو قدمه إلى مالكه ، فالقولان .
وهاهنا نص العراقيون : ألا يبرأ الغاصب ومقتضى الصحيح: أنه يبرأ .
ورأي الإمام : أن القول هنا بالبراءة أولى ؟ لأن تصرف المالك في ضمن إتلافه يتضمن قطع علقة الضمان عن الغاصب.
ومنها : لو قال الغاصب لمالك المغصوب : أعتقمه فاعتق جاهلا نفذ العتق على الأصح، وعلى هذا يبرأ الغاصب على الأصح.
ولو قال : اعتقه عني، فأعتقه جاهلا، فغي نفوذ العتق وجهان، فإن نغذ ففي وقوعه عن الغاصب وجهان، صحح في التتمة المنع .
ولو قال المالك للغاصب: أعتقه عني، أو مطلقا ، فأعتقه ، عتق ، وبرى خاصب.
قلت : ينبغي تعخريج صحة العتق على صحة بيع مال أبيه على ظن أنه حي، فإذا هو ميت . ولا يمكن ترجيح هذا بتشوف الشارع إلى العتق؛ لأنا لا نعلم إلا أن الخلاف جار في عتق عبد أبيه، والحالة هذه .
ومنها : إذا غر بإسلامه منكوحة بالشرط ، أو شرط نسب، أو حرية في أحل الوجهين، فالصحيح : صحة النكاح .
Page 18
والخلاف جار في كل وصف شرط سواء كان صفة كمال، كالجمال، أو نقص، كضده، أو لم يكن بنقص ولا كمال.
و في شرح مختصر الجويني : أن الخلاف في اشتراط ما يؤثر في الكفاءة .
فائدة ذكروا في كتاب الرهن : أن فاسد كل عقد كصحيحه في الضمان، وعدمه .
وفي أواخر كتاب الهبة من الروضة: أن المقبوض في الهبة الفاسدة مضمون كالبيع الفاسد، أم لا، كالهبة الصحيحة، وجهان ويقال: قولان.
قال النووي: " قلت : أصحهما : لا ضمان ، وهو المقطوع به في النهاية والعدة والبحر ولبيان ، ذكروه في باب التيمم" .
فائدة: النبي إذا أمر بأمر، أو نهى عن شيء ، فلا يخلو : إما أن يكون بلفظ مخاطبة للمخاطبين أولا؛ فإن كان كقوله : "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" .
وكقوله : "لا تستقبلوا القبلة ببول، ولا غائط" .
وكنهيه عن تسمية شجر العنب بالكرم ، فلا يدخل (عليه الصلاة والسلام) في هذا الخطاب ؛ لأن الصيغة تختص بالمخاطب.
Page 19
ونقل بعض المتآخرين : أن بعضهم جعله (عليه الصلاة والسلام) داخلا فيه وهذا في غاية الشذوذ ، وهو قريب من قول الحنابلة : إن الخطاب مع الموجودين يتناول من يحدث بعدهم ، بغير دليل منفصل، مجرد الخطاب الأول.
وأما إذا كان بغير لفظ الخطاب؛ فالصحيح دخوله فيه كما روي عنه ل أنه قال: "العينان وكاء السه، فمن نام فليتوضا" ، وكذا : "من أحيا أرضا ميتة فهي له" وشذ بعضهم فقال: إنه لا يدخل فيه .
وللخلاف في دخول المخاطب في الخطاب نظائر فقهية: منها : ما حكي: أن واعظا طلب من جماعة شيئا، فلم يعطوه فقال: طلقتكم ثلاثا ، وكانت زوجته فيهم ، فالصحيح : أنها لا تطلق .
قلت : هكذا حكى الشيخ تخريجه عن الرافعي وغيره ، وليس بشيء؛ فإنه ليس داخلا في المطلقين - بفتح اللام - وإنما هو فاعل التطليق، بل لهذا التفات إلى بحث أصولي، وهو أن خطاب الذكور لا يتناول الإناث على المذهب الصحيح؛ لأن الجمع ضعيف الواحد.
ومنها : لو قال : نساء العالم طوالق، ففي دخولها في الطلاق خلاف .
Page 20
قاعدة
فرض الكفاية لا يباين فرض العين بالجنس، خلاقا للمعتزلة؛ وإنما يباينه بالنوع.
وقال إمام الحرمين : "فرض الكفاية أفضل من فرض العين؛ لما فيه من نفي الحرج عن الغير" .
وسبقه إلى ذلك والده الشيخ أبو محمد في المحيط .
ونحو هذا، أن فرض الجمعة يسقط عن القريب الممرض الذي يتفقد غيره، إذا كان يندفع بحضوره ضرر يعد دفعه من فروض الكفايات.
وقال الإمام ذلك في الغيائي أيضا، وبسطه .
وقد آثرت مباينته بالنوع؛ ترددا في إلحاقه بفرض العين أو بالنفل من جهة وجوبه، والعصيان بتركه، ومن جهة جواز تركه عند فعل الغير في صور: منها : أنه يجمع بين الفرض والنفل بتيمم واحد، ولا يجمع بين فرضي عين.
وهل يجمع بين فريضة وصلاة جنازة ، أو بين صلاتي جنازة؟ فيه خلاف: نص الشافعي -رضي الله عنه- على أنه يجمع، ونص على أنه لا يقعد في صلاة الجنازة مع القدرة؛ فقيل: قولان بالنقل، وقيل: بتقرير النصين؛ والفرق: أن القيام أعظم أركانها، والقعود يغير صورتها .
Page 21