Al-Kifāya fī al-tafsīr biʾl-maʾthūr waʾl-dirāya

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

Publisher

دار القلم

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م

Publisher Location

بيروت - لبنان

الكِفاية
في التَّفسيرِ بِالمأْثورِ والدِّراية
تأليف الفقير إلى رحمة ربه
د. عبدالله خضر حمد
الجزء الأول
المقدمة والتمهيد وتفسير سورة الفاتحة
الطبعة الأولى
١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م
حقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم
الرقم الدولي ISBN: ٩٩٥٣ - ٧٢ - ٧١٥ - ٥

1 / 1

الطبعة الأولى
١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م
الناشر: دار القلم
بيروت - لبنان
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾

1 / 2

المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل، فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا] [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].
أما بعد:
يعد تفسير القرآن الكريم الركيزة المهمة لدارسي العلوم الإسلامية، والدراسات المرتكزة عليها، كالدراسات الاسلامية، والثقافة الإسلامية ... الخ، والتفسير هو فهم القرآن الكريم، وفق إحدى مدارس المفسرين، كالمدرسة اللغوية، والمدرسة الموضوعية، والمدرسة اإلعجازية، وتفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسنّة النبوية، إلى غيرها من المدارس الأخرى، وتؤكد نتائج الدراسات التي أجريت أخيرًا حول موضوع تفسير القرآن ومصادره، كدراسة عبد العليم صبّاح (١٩٩٩)، ودراسة محمد عبد النبي محمود (٢٠٠٤)، وغيرها من الدراسات بأن دراسة التفسير لها أهمية كبيرة للطلبة في كافة مراحل التعليم، سواء على الصعيد الجامعي، أو التعليم في الدراسات العليا، وأكدّت هذه الدراسات على أن للتفسير دورًا كبيرًا في فهم مقصود المولى ﷿ في آياته في كافة الوقائع واألحداث، كما أشارت دراسة عبد الوافي المعلم (١٩٩٧)، بأن عن طريق دراسة تفسير القرآن الكريم يمكن الوقوف على بعض الألفاظ الغريبة في القرآن الكريم، ومعرفة أسباب نزول الآيات القرآنية الكريمة.
وقد أفرد الإمام القرطبي في مقدمة تفسيره بابًا سمّاه: " باب ما جاء في إعراب القرآن وتعليمه والحث عليه، وثواب من قرأ القرآن معربًا" (١)، ضمنه مجموعة من الأحاديث والأخبار التي تدل في مجموعها على تفضيل من قرأ القرآن معربًا وذم اللحن فيه وذلك "صونًا من تحريف الكلم عن مواضعه ودرءًا للخروج على مراد اهلل ﵎" (٢).

(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي: ١/ ٢٣.
(٢) مدرسة التفسير في الأندس، مصطفى إبراهيم المشني، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط ١، ١٩٨٦، ص: ٣٩٣.

1 / 3

ومن الأحاديث والأخبار في هذا الشأن ما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه" (١).
وقال عبد الله بن مسعود ﵄: " جوّدوا القرآن وزينوه بأحسن الأصوات، وأعربوه فإنه عربي، والله يحب أن يعرب به" (٢).
وقال أبو بكر (٣)، وعمر (٤) ﵄: " لبعض إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ حروفه" (٥).
وقال ابن عمر: "أعربوا القرآن" (٦).
قال السيوطي: "والمقصود من الإعراب في هذه النصوص ليس ما اطلع به علماء النحو، وإنما المقصود تفسير ألفاظه وتوضيح معانيه وبيان غريبه" (٧).
فالواجب على العلماء الكشف عن معاني كلام الله، وتفسير ذلك، وطلبه من مظانه، وتَعلُّم ذلك وتعليمه، كما قال تعالى: [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ] [آل عمران: ١٨٧]، وقال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [آل عمران: ٧٧].
فذمّ الله تعالى أهل الكتاب قبلنا بإعراضهم عن كتاب الله إليهم، وإقبالهم على الدنيا وجمعها، واشتغالهم بغير ما أمروا به من اتباع كتاب الله، فعلينا أن ننتهي عما ذمَّهم الله تعالى

(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ١١٦)، وأبو يعلى الموصلي (٦٥٦٠): ص ١١/ ٤٣٦، والحاكم: ٢/ ٤٧٧، والبيهقي في شعب الإيمان: ٣/ ٥٤٨. وإسناده ضعيف.
(٢) النشر ١/ ٢١٠، وانظره في "الوجيز" للقرطبي ص ٨٨، ويؤيده ما رُوي عن البراء بن عازب من قول الرسول ﷺ: "زينوا القرآن بأصواتكم" وهو صحيح الإسناد. أخرجه أحمد ٤/ ٢٨٥، ٢٩٦، ٣٠٤، وأبو داود ٢/ ٧٤، برقم: ١٤٦٨، والنسائي ٢/ ١٧٩، ١٨٠، برقم: ١٠١٥، ١٠١٦، وابن ماجه ١/ ٤٢٦، برقم: ١٣٤٢، والدارمي ٢/ ٥٦٥، برقم: ٣٥٠٠، والحاكم في المستدرك ١/ ٥٧١ - ٥٧٥، والطيالسي في مسنده، انظر: منحة المعبود ٢/ ٣، برقم: ١٨٨٦.
(٣) هو: أبو بكر عبد الله بن أبي قحافة بن عامر، خليفة رسول الله ﷺ وأفضل الأمة، وأحد المبشرين بالجنة، هو أشهر من أن يعرف. توفي سنة (١٣ هـ) وله (٦٣) سنة. وسيرته ومناقبه في أغلب كتب التاريخ، أفرد له المحب الطبري مجلدا خاصا من أربعة مجلدات في ترجمته للعشرة المبشرين بالجنة في كتابه المسمى (الرياض النضرة). [انظر: تذكرة الحفاظ: ١\ ٤، وشذرات الذهب: ١\ ٢٤].
(٤) هو: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح. لقبه رسول الله ﷺ بالفاروق، وتولى الخلافة بعد أبي بكر الصديق، ولقب بأمير المؤمنين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة. قتله أبو لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة سنة ٢٣ هـ، وعمره (٦٣) سنة. [انظر: تذكرة الحفاظ: ١\ ٨، وشذرات الذهب: ١\ ٣٣].
(٥) حكاه عنهما القرطبي في تفسيره: ١/ ٢٣، ولم أجده بهذا اللفظ وإنما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري فقال: ''أما بعد: فتفقهوا في السنة وتفقهوا في العربية وأعربوا القرآن فإنه عربي فتمعددوا فإنكم معديون''. أ. هـ. أي تشبهوا بجدكم معد بن عدنان، انظر: المصنف (١٠\ ٤٥٦).
(٦) أخرجه أبو علي الصواف في " الفوائد " (٣/ ١٦١/٢) وأبو علي الهروي في " الأول من الثاني من الفوائد " (١٨/ ٢) عن ليث عن طلحة بن مصرف عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله مرفوعا وإسناده ضعيف. انظر: السلسلة الضعيفة والموضوعة، للألباني: ٣/ ٥٢١.
(٧) الإتقان، السيوطي: ٢/ ٢٢٤.

1 / 4

به، وأن نأتمر بما أمرنا به، من تَعَلُّم كتاب الله المنزل إلينا وتعليمه، وتفهمه وتفهيمه، قال الله تعالى: [أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نزلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ] [الحديد: ١٦، ١٧]. ففي ذكره تعالى لهذه الآية بعد التي قبلها تنبيه على أنه تعالى كما يحيي الأرض بعد موتها، كذلك يلين القلوب بالإيمان بعد قسوتها من الذنوب والمعاصي، والله المؤمل المسؤول أن يفعل بنا ذلك، إنه جواد كريم.
المنهج في التفسير
المنهج لغة: نَهَجَ: الطريق الواضح و(المَنْهَجُ) و(المِنْهَاجُ) مثله و(نَهَجَ) الطريق (يَنْهَجُ) بفتحتين (نُهُوجًا) وضح واستبان و(أَنْهَجَ) بالألف مثله و(نَهَجْتُهُ) و(أَنْهَجْتُهُ) أوضحته يستعملان لازمين ومتعديين (١) نهج النهج: الطريق الواضح، وكذلك المنهج والمنهاج. وأنهج الطريق، أي استبان وصار نهجا واضحا بينا، قال يزيد بن الخذاق العبدى (٢):
ولَقَدْ أَضَاءَ لَكَ الطَّرِيقُ وأَنْهجَتْ ... سُبُلُ المَسَالكِ والهُدَى يُعْدِي
ونهجت الطريق، إذا أبنته وأوضحته، يقال: اعمل على ما نهجته لك، ونهجت الطريق أيضا، إذا سلكته. وفلان يستنهج سبيل فلان، أي يسلك مسلكه (٣)، وفي التنزيل ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (المائدة: ٤٨) (٤).
والمنهج اصطلاحًا: هو فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار العديدة، إما من أجل الكشف عن حقيقة حين نكون بها جاهلين، وإما من أجل البرهنة عليها للآخرين حين نكون بها عارفين " (٥) وهذا تعريف عام لمنهج البحث العلمي والتعريف الاصطلاحي العام هو قريب من التعريف اللغوي لأن كليهما يعتمد على التوضيح والاستبانة للطريق.
ويعرف المنهج بأنه "أداة التربية ووسيلتها، وهو ذلك الطريق الواضح الذي يسلكه المربي أو المدرس مع مَنْ يربيهم لتنمية معارفهم، ومهاراتهم، واتجاهاتهم، أو هو مجموع الخبرات التربويّة، والثقافيّة، والاجتماعيّة، والرياضيّة، والفنيّة، التي يهيئها المدرس لتلاميذه داخل المدرسة وخارجها بقصد مساعدتهم على النّمو الشامل في جميع النواحي وتعديل سلوكهم طبقًا لأهدافها التربويّة" (٦).

(١) مصباح المنير ٢/ ٦٢٧.
(٢) ديوان المفضليات، المفضل الضبي، تحقيق: احمد شاكر وعبدالسلام محمد هارون، دار المعرف، ط ٦: ١/ ٢٩٦.
(٣) صحاح تاج اللغة وصحاح العربية. تأليف: إسماعيل بن حماد الجوهري. تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار. الناشر: دار العلم للملايين - بيروت. الطبعة: الرابعة ١٤٠٧ هـ- ١٩٨٧ م. ١/ ٣٤٦، وابن منظور، لسان العرب (٢/ ٣٨٣).
(٤) ابن منظور، لسان العرب (٢/ ٣٨٣).
(٥) عبد الفتاح خضر، أزمة البحث العلمي في العالم العربي ص ١٢.
(٦) فلسفة التّربية: د. الدمرداش ود. منير، ١/ ٣٠١.

1 / 5

وانطلاقًا من هذا المفهوم الشامل للمنهج الدراسيّ المعاصر؛ فإنَّ للمنهج أربعة أركان رئيسية:
أولها: الأهداف التربويّة.
ثانيها: المادة العلميّة الشاملة للمعارف، وأوجه النشاط والخبرات التي تتكوّن منها مادة المنهج.
ثالثها: طُرق وأساليب التدريس المتبعة مع التلاميذ لدفعهم إلى التعلُّم وتحقيق أهدافه المرسومة.
رابعها: طُرق التقويم والقياس (١).
أمَّا المنهج الإسلاميّ فإنَّه يعرف بأنَّه قانون الحياة الذي أنزله الله سبحانه إلى الجنس الإنسانيّ ليحكّموه في حياتهم وشؤونهم المختلفة، وهو منهج يتجاوب مع الفطرة الإنسانيّة التي فطر الله تعالى الناس عليها، والله أعلم بها؛ لأنَّه خالقها، قال تعالى: [أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، ذلك أنَّ الخالق أعلم بتصميم منهاج الحياة من الإنسان الذي يجهل طبيعة نفسه وطبيعة عقله، قال تعالى: [مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١].
إنَّ الإنسان يعلم ما يبدو له من ظاهر الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧].
ومن هنا؛ فإنَّ الإطار العام لهذا المنهج التربويّ الربانيّ المُنْزَل في جميع الأديان متفق في تجاوبه مع الفطرة الإنسانيّة الكامنة في كل إنسان؛ لأنَّ الناس جميعًا صفتهم الفطرة مشتركة عقلًا، ونفسًا، وروحًا، وقلبًا، وجسمًا، فهو منهاج متكامل للإنسان في هذه المجالات الخمسة، قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠].
وبناءً على ما تقدّم؛ فإنَّا نقصد بـ "مناهج المفسّرين": "الطُرق التي يتبعها المفسِّرون في تفسير كتاب الله تعالى". ذلك أنَّ منهم الذي يعتمد على الرواية، ومنهم مَنْ يعتمد على الدّراية، ومنهم مَنْ يجمع بين الرواية والدّراية، ومنهم مَنْ يعتمد على الفهم الشَّخصيّ والمجال الذي تخصَّص فيه.
ومن هنا برزت عدّة مسمّيات، منها: "التَّفسير بالمأثور"، "التَّفسير الموضوعيّ"، "التَّفسير الصوفيّ الإشاريّ"، "التَّفسير الصوفيّ النَّظريّ"، "التفسير العلميّ"، و"التَّفسير البدعيّ" الذي يؤول كلام الله ويحمّله معاني فاسدة وبعيدة عن النَّص القرآنيّ الكريم.
إن أصح الطرق في ذلك أن يُفَسَّر القرآن بالقرآن، ومن ثم بالسنة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، كما قال الشافعي-﵀: "كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] " (٢).

(١) مناهج الدّراسات الإسلامية: د. عابدين توفيق، ١/ ٣٢.
(٢) مجموع الفتاوى، شيخ الإسلام ابن تيمية: ١٣/ ٣٦٣، وتفسير ابن كثير: ١/ ٤.

1 / 6

وعن أيوب السختياني أن رجلا قال لمطرف بن عبد الله بن الشخير -وهو من كبار التابعين (ت ٩٥ هـ): لا تحدثونا إلا بالقرآن، فقال له مطرف: "والله ما نريد بالقرآن بدلا، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا" (١).
وقال مكحول الشامي -وهو من ثقات التابعين وفقهائهم- (ت ١١٣ هـ): "القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن" (٢).
وعن حسان بن عطية -وهو أحد ثقات التابعين، مات بعد سنة ١٢٠ هـ- قال: "كان الوحي ينزل على رسول الله ﷺ، ويحضره جبريل بالسنة التي تفسر ذلك" (٣).
وقال يحيى بن أبي كثير -وهو من صغار التابعين الثقات الأثبات، ت ١٢٩ هـ-: "السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاض على السنة" (٤).

(١) أخرجه أبو خيثمة في (كتاب العلم) ص ٤١ رقم (٩٧)، وابن عبد البر في (جامع بيان العلم) ص ٥٦٣.
(٢) أخرجه المروزي في (السنة) رقم (١٠٤)، وابن شاهين في (شرح مذاهب أهل السنة) رقم (٤٨)، وابن بطة في (الإبانة الكبرى) رقم (٨٩)، والخطيب في (الكفاية) ص ١٤، وأورده ابن عبد البر في (جامع ببان العلم) ص ٥٦٣، وعزاه إلى سعيد بن منصور.
وجاء هذا عن الإمام الأوزاعي -راويه عن مكحول، وهو من كبار أتباع التابعين، وأئمة الفقه المشهورين، ت ١٥٧ هـ- أنه قال: "الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب". أورده ابن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله) ص ٥٦٣، وعلق عليه فقال: "يريد أنها تقضي عليه وتبين المراد منه، وهذا نحو قولهم: ترك الكتاب موضعا للسنة، وتركت السنة موضعا للرأي".
وجاء أيضا عن حماد بن زيد -وهو من أتباع التابعين، مات سنة ١٧٩ هـ- قال: " إنما هو الكتاب والسنة، والكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب" أخرجه الخطيب في (الفقيه والمتفقه) ١: ٢٣١ رقم (٢٣١).
(٣) أخرجه بهذا اللفظ: ابن عبد البر في (جامع بيان العلم) ص ٥٦٣، وذكره القرطبي في تفسيره ١: ٣٩.
وأخرجه الخطيب في (الكفاية) ص ١٥، ولفظه: (كان جبرائيل ينزل على النبي ﷺ بالقرآن، والسنة تفسر القرآن).
وأخرجه الدارمي رقم (٥٨٨) في المقدمة: باب السنة قاضية على كتاب الله، والمروزي في (السنة) رقم (١٠٢) (٤٠٢)، ونعيم بن حماد في زوائده على (الزهد) ص ٤٣٩ رقم (٩١)، وابن بطة في (الإبانة الكبرى) رقم (٩٢)، واللالكائى في (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) ١: ٨٣ رقم (٩٩) والخطيب البغدادي في (الفقيه والمتفقه) ١: ٢٦٦ - ٢٦٧ رقم (٢٦٨) (٢٦٩) (٢٧٠)، وفي (الكفاية) ص ١٢ بنحوه. وصحح إسناده ابنُ حجر في (فتح الباري) ١٣: ٣٠٥.
(٤) أخرجه الدارمي رقم (٥٨٧) في المقدمة: باب السنة قاضية على كتاب الله، والمروزي في (السنة) رقم (١٠٣)، وابن شاهين في (شرح مذاهب أهل السنة) رقم (٤٧)، وابن بطة في (الإبانة الكبرى) رقم (٩٠) (٩١)، والخطيب في (الكفاية) ص ١٤. وأورده ابن قتيبة في (تأويل مختلف الحديث) ص ٣٨٠ وعلق عليه فقال: "أراد أنها مبينة للكتاب، منبئة عما أراد الله تعالى فيه". وأورده السيوطي في (مفتاح الجنة) ص ٩١، وعقب عليه فقال: "قال البيهقي: ومعنى ذلك أن السنة مع الكتاب أقيمت مقام البيان عن الله،كما قال الله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، لا أن شيئًا من السنن يخالف الكتاب".
قلت -القائل السيوطي-: "والحاصل أن معنى احتياج القرآن إلى السنة؛ أنها مبينة له، ومفصلة لمجملاته، لأن في لِوَجازته كنوز تحتاج إلى من يعرف خفايا خباياها فيبرزها، وذلك هو المنزل عليه ﷺ، وهو معنى كون السنة قاضية عليه، وليس القرآن مبينا للسنة ولا قاضيا عليها، لأنها بينة بنفسها إذ لم تصل إلى حد القرآن في الاعجاز والإيجاز، لأنها شرح له، وشأن الشرح أن يكون أوضح وأبين وأبسط من المشروح، والله أعلم".
وجاء هذا عن الأوزاعي قال: "إن السنة جاءت قاضية على الكتاب، ولم يجيء الكتاب قاضيا على السنة". أخرجه الحاكم في (معرفة علوم الحديث) ص ٦٥.
وقال الفضل بن زياد: سمعت أحمد بن حنبل -وسئل عن الحديث الذي روي أن السنة قاضية على الكتاب- قال: "ما أجسر على هذا أن أقوله، ولكن السنة تفسر الكتاب، وتعرف الكتاب، وتبينه). أخرجه الخطيب في (الكفاية) ص ١٤ - ١٥، وأورده ابن عبد البر في (جامع بيان العلم) ص ٥٦٤، والقرطبي في تفسيره ١: ٣٩.
وجاء في (مسائل الإمام أحمد) رواية ابنه عبد الله رقم (١٥٨٦): "قال عبد الله: سألت أبي، قلت: ما تقول في السنة تقضي على الكتاب؟ قال: قد قال ذلك قوم منهم مكحول والزهري. قلت: فما تقول أنت؟ قال: أقول: السنة تدل على معنى الكتاب". وأخرجه الخطيب في (الفقيه والمتفقه) ١: ٢٣٠ - ٢٣١.
وفهم ابن القيم من عبارة الإمام أحمد معنى الإنكار، فقال في (الطرق الحكمية) ص ١٠٧: "وقد أنكر الإمام أحمد على من قال: السنة تقضي على الكتاب، فقال: بل السنة تفسر الكتاب وتبينه".

1 / 7

وقال الإمام الطبري ﵀: "تأويلُ القرآن غيرُ مدرك إلا ببيان من جعل الله إليه بيان القرآن" (١).
وقال ابن تيمية ﵀: "اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة الدين؛ أن السنة تُفَسِّر القرآن، وتبينه، وتدل عليه، وتعبر عن مجمله" (٢).
وقال الشاطبي ﵀: "لا ينبغي في الاستنباط من القرآن الاقتصار عليه دون النظر في شرحه وبيانه، وهو: السنة" (٣).
ولهذا قال رسول الله ﷺ: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه" (٤)، قال ابن القيم ﵀ معلقا على الحديث: "هذا هو السنة بلا شك" (٥)، وقال ابن كثير: "يعني: السنة، والسنة أيضا تنزل عليه بالوحي، كما ينزل القرآن؛ إلا أنها لا تتلى كما يتلى القرآن" (٦)، إلا أنها لا تتلى كما يتلى القرآن، وقد استدل الإمام الشافعي، ﵀ وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك.
والغرض أنك تطلب تفسيرَ القرآن منه، فإن لم تجدْه فمن السنة، كما قال رسولُ الله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "بم تحكم؟ ". قال: بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد؟ ". قال: بسنة رسول الله. قال: "فإن لم تجد؟ ". قال: أجتهد برأيى. قال: فضرب رسول الله ﷺ في صدره، وقال: "الحمد لله الذي وفَّق رَسُولَ رسولِ الله لما يرضى رسول الله" (٧)، وهذا الحديث في المساند والسنن بإسناد جيد، كما هو مقرر في موضعه، وحينئذ،

(١) تفسير الطبري ٢: ١٨١.
(٢) مجموع الفتاوى ١٧: ٤٣٢.
(٣) الموافقات ٣: ٣٦٩.
(٤) رواه الإمام أحمد في المسند (٤/ ١٣١)، وأبو داود في السنن برقم (٤٦٠٤)، والبيهقي في السنن الكبرى ٩/ ٣٣٢، والطبراني في "الكبير" (٢٠/ ٢٨٣)، والمروزي في السنة (٤٠٣، ٢٤٤)؛ والخطيب في الكفاية (١/ ٨٠)؛ وابن عبد البر في التمهيد (١/ ١٤٩ - ١٥٠)، وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان ١/ ١٨٨ رقم (١٢)، والطحاوي في (شرح معاني الآثار) ٤/ ٢٠٩، من حديث المقدام بن معدى كرب، ﵁، وصححه العلامة الألباني في "مشكاة المصابيح" (١/ ٥٧/ ١٦٣).
(٥) التبيان في أقسام القرآن ص ١٥٦.
(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٧.
(٧) رواه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٢٣٠) وأبو داود في السنن برقم (٣٥٩٢) والترمذي في السنن برقم (١٣٢٨) من طرق عن شعبة عن أبي عون عن الحارث بن عمرو عن ناس من أصحاب معاذ عن معاذ به، وقال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتصل، وأبو عون الثقفي اسمه محمد بن عبيد الله". وللشيخ ناصر الألباني مبحث ماتع بين فيه كلام العلماء في نقد الحديث. انظر: السلسلة الضعيفة برقم (٨٨١).

1 / 8

إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك، لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة والخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، وعبد الله بن مسعود، ﵁، قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا جابر بن نوح، حدثنا الأعمش، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق، قال: قال عبد الله - يعني ابن مسعود -: والذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت؟ وأين نزلت؟ ولو أعلم مكان أحد أعلم، بكتاب الله منى تناله المطايا لأتيته (١).
وقال الأعمش أيضًا، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن" (٢).
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: "حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي ﷺ، فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا" (٣).
ومنهم الحبر البحر عبد الله بن عباس، ابن عم رسول الله ﷺ، وترجمان القرآن وببركة دعاء رسول الله ﷺ له حيث قال: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل" (٤).
قال ابن مسعود: "نعْم ترجمان القرآن ابنُ عباس" (٥).
فهذا إسناد صحيح إلى ابن مسعود: أنه قال عن ابن عباس هذه العبارة. وقد مات ابن مسعود، ﵁، في سنة اثنتين وثلاثين على الصحيح، وعُمِّر بعده ابن عباس ستًا وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود؟ .
وقال الأعمش عن أبي وائل: "استخلف علِيّ عبد الله بن عباس على الموسم، فخطب الناس، فقرأ في خطبته سورة البقرة، [وفي رواية: سورة النور]، ففسرها تفسيرًا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا" (٦).
ولهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره، عن هذين الرجلين: عبد الله بن مسعود وابن عباس، ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب، التي أباحها رسول الله ﷺ حيث قال: "بَلِّغوا عني ولو آية، وحَدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَج، ومن كذب عَلَىَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" رواه

(١) تفسير الطبري (١/ ٨٠) وجابر بن نوح ضعيف لكنه توبع، فرواه البخاري في صحيحه برقم (٥٠٠٢) عن عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش به.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١/ ٨٠) من طريق الحسين بن واقد عن الأعمش به.
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٨٢): ص ١/ ٨٠، إسناده صحيح.
(٤) رواه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢٦٦، ٣١٤، ٣٢٧) وأصله في صحيح البخاري برقم (٧٥).
(٥) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠٥): ص ١/ ٩٠.
(٦) رواه الطبري في تفسيره (٨٥)، و(٨٦): ص ١/ ٨١، والفسوي في تاريخه: ١/ ٤٩٥، من طريق الأعمش به.

1 / 9

البخاري عن عبد الله (١)، ولهذا كان عبد الله بن عمرو يوم اليرموك قد أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك.
وتجدر الإشارة بأن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد، لا للاعتضاد، كما أنها على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق، فذاك صحيح.
والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه.
والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في هذا كثيرًا، ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعدّتهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت؟ وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلَّم الله منها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم. ولكن نَقْلُ الخلاف عنهم في ذلك جائز، كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٢]، فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام وتعليم ما ينبغي في مثل هذا، فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال، ضعف القولين الأولين وسكت عن الثالث، فدل على صحته إذ لو كان باطلا لرده كما ردهما، ثم أرشد على أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته، فقال في مثل هذا: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس، ممن أطلعه الله عليه، فلهذا قال: ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ أي: لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب. فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأن تنبه على الصحيح منها وتبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف وثمرته، لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فتشتغل به عن الأهم فالأهم. فأما من حكى خلافًا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص، إذ قد يكون الصواب في الذي تركه. أو يحكي الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال، فهو ناقص أيضًا. فإن صحح غير الصحيح عامدا فقد تعمد الكذب، أو جاهلا فقد أخطأ، وكذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته، أو حكى أقوالا متعددة لفظًا ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى، فقد ضيع الزمان، وتكثر بما ليس بصحيح، فهو كلابس ثوبي زور، والله الموفق للصواب.
قال سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي يزيد: "كان ابن عباس إذا سئل عن الآية في القرآن قال به، فإن لم يكن وكان عن رسول الله ﷺ أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر، ﵄، فإن لم يكن اجتهد برأيه" (٢).
إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين، كمجاهد بن جَبْر، فإنه كان آية في التفسير، كما قال محمد

(١) صحيح البخاري (٣٢٧٤): ص ٣/ ١٢٧٥، ومسند الإمام احمد (٦٤٥٠): ص ٢/ ١٥٩.
(٢) سنن الدارمي (١٦٨): ص ١/ ٢٦٥.

1 / 10