474

Al-Zawājir ʿan Iqtirāf al-Kabāʾir

الزواجر عن اقتراف الكبائر

Publisher

دار الفكر

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م

آخَرُ فَيُقَالُ لَهُ هَلُمَّ هَلُمَّ فَيَجِيءُ بِكَرْبِهِ وَغَمِّهِ فَإِذَا جَاءَهُ أُغْلِقَ دُونَهُ، فَمَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُفْتَحَ لَهُ الْبَابُ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ هَلُمَّ فَمَا يَأْتِيهِ مِنْ الْإِيَاسِ» . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩] الصَّغِيرَةُ التَّبَسُّمُ، وَالْكَبِيرَةُ الضَّحِكُ بِحَالَةِ الِاسْتِهْزَاءِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١] مَنْ لَقَّبَ أَخَاهُ وَسَخِرَ بِهِ فَهُوَ فَاسِقٌ. وَالسُّخْرِيَةُ الِاسْتِحْقَارُ وَالِاسْتِهَانَةُ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِصِ يَوْمَ يَضْحَكُ مِنْهُ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْمُحَاكَاةِ بِالْفِعْلِ أَوْ الْقَوْلِ أَوْ الْإِشَارَةِ أَوْ الْإِيمَاءِ أَوْ الضَّحِكِ عَلَى كَلَامِهِ إذَا تَخَبَّطَ فِيهِ أَوْ غَلَطَ أَوْ عَلَى صَنْعَتِهِ أَوْ قَبِيحِ صُورَتِهِ.
تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا هُوَ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مَعَ ذِكْرِهِ لِلْغِيبَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَفْرَادِهَا كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ فِيهَا، وَكَأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَهُ اقْتِدَاءً بِأُسْلُوبِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فَإِنَّهُ بَعْدَ ذِكْرِهِ ذَكَرَ الْغِيبَةِ، وَتَنْبِيهًا عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ عَنْهُ نَظِيرُ مَا تَقَرَّرَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ.
[الْكَبِيرَةُ الثَّانِيَةُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ النَّمِيمَةُ]
(الْكَبِيرَةُ الثَّانِيَةُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ: النَّمِيمَةُ) . قَالَ تَعَالَى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] أَيْ دَعِيٍّ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ أَنَّ وَلَدَ الزِّنَا لَا يَكْتُمُ الْحَدِيثَ، فَعَدَمُ كَتْمِهِ الْمُسْتَلْزِمُ لِلْمَشْيِ بِالنَّمِيمَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ وَلَدُ زِنَا. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] قِيلَ اللُّمَزَةُ النَّمَّامُ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] قِيلَ كَانَتْ نَمَّامَةٌ حَمَّالَةٌ لِلْحَدِيثِ إفْسَادًا بَيْنَ النَّاسِ، وَسُمِّيَتْ النَّمِيمَةُ حَطَبًا؛ لِأَنَّهَا تَنْشُرُ الْعَدَاوَةَ بَيْنَ النَّاسِ كَمَا أَنَّ الْحَطَبَ يَنْشُرُ النَّارَ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [التحريم: ١٠] أَيْ؛ لِأَنَّ امْرَأَةَ نُوحٍ كَانَتْ تَقُولُ عَنْهُ مَجْنُونٌ، وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتْ تُخْبِرُ قَوْمَهَا بِضِيفَانِهِ حَتَّى يَقْصِدُوهُمْ لِتِلْكَ الْفَاحِشَةِ الْقَبِيحَةِ الَّتِي اخْتَرِعُوهَا حَتَّى أَهْلَكَتْهُمْ بِذَلِكَ الْعَذَابِ الْفَظِيعِ.
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ» . وَفِي رِوَايَةٍ: " قَتَّاتٌ " وَهُوَ النَّمَّامُ. وَقِيلَ: النَّمَّامُ الَّذِي يَكُونُ مَعَ جَمْعٍ يَتَحَدَّثُونَ حَدِيثًا فَيَنِمُّ عَلَيْهِمْ. وَالْقَتَّاتُ: الَّذِي يَسْتَمِعُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ثُمَّ يَنِمُّ.

2 / 34