354

Al-taqrīr waʾl-taḥbīr fī sharḥ kitāb al-taḥrīr

التقرير والتحبير في شرح كتاب التحرير

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الثانية

Publication Year

١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م

فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى (وَصْفُهُ تَعَالَى بِالْمُتَجَوِّزِ) لِأَنَّ مَنْ قَامَ بِهِ فِعْلٌ اُشْتُقَّ لَهُ مِنْهُ اسْمُ فَاعِلٍ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ لِامْتِنَاعِ إطْلَاقِهِ عَلَيْهِ تَعَالَى اتِّفَاقًا فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ (قُلْنَا إنْ) لَزِمَ وَصْفُهُ بِهِ (لُغَةً مَنَعْنَاهُ بُطْلَانَ اللَّازِمِ) لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْهُ لُغَةً (أَوْ) لَزِمَ وَصْفُهُ بِهِ (شَرْعًا مَنَعْنَا الْمُلَازَمَةَ) لِأَنَّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ وَهُنَا مَانِعٌ مِنْهُ لِأَنَّ الْمُتَجَوِّزَ يُوهِمُ أَنَّهُ يَتَسَمَّحُ وَيَتَوَسَّعُ فِيمَا لَا يَنْبَغِي مِنْ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ وَمَا يُوهِمُ نَقْصًا لَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى اتِّفَاقًا
وَلَنَا ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] فَإِنَّ النُّورَ فِي الْأَصْلِ كَيْفِيَّةٌ تُدْرِكُهَا الْبَاصِرَةُ أَوَّلًا وَبِوَاسِطَتِهَا سَائِرُ الْمُبْصِرَاتِ كَالْكَيْفِيَّةِ الْفَائِضَةِ مِنْ النَّيِّرَيْنِ عَلَى الْأَجْرَامِ الْكَثِيفَةِ الْمُحَاذِيَةِ لَهُمَا وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَصِحُّ إطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى إلَّا بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ كَزَيْدٍ كَرَمٍ بِمَعْنَى ذُو كَرْمٍ أَوْ عَلَى تَجَوُّزٍ بِمَعْنَى مُنَوِّرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَقَدْ قُرِئَ بِهِ فَإِنَّهُ تَعَالَى نَوَّرَهَا بِالْكَوَاكِبِ وَمَا يَفِيضُ عَنْهَا مِنْ الْأَنْوَارِ وَبِالْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ أَوْ مُدَبِّرُهَا مِنْ قَوْلِهِمْ لِلرَّيِّسِ الْفَائِقِ فِي التَّدْبِيرِ: نُورُ الْقَوْمِ لِأَنَّهُمْ يَهْتَدُونَ بِهِ فِي الْأُمُورِ أَوْ مُوجِدُهَا فَإِنَّ النُّورَ ظَاهِرٌ بِذَاتِهِ مُظْهِرٌ لِغَيْرِهِ وَأَصْلُ الظُّهُورِ هُوَ الْوُجُودُ كَمَا أَنَّ أَصْلَ الْخَفَاءِ هُوَ الْعَدَمُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ مَوْجُودٌ بِذَاتِهِ مُوجِدٌ لِمَا عَدَاهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَمَكَرُوا ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] لِأَنَّ الْمَكْرَ فِي الْأَصْلِ حِيلَةٌ يَجْلِبُ بِهَا غَيْرَهُ إلَى مَضَرَّةٍ فَلَا يُسْنَدُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا أُسْنِدَ هُنَا إلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ وَالِازْدِوَاجِ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] لِأَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ السُّخْرِيَةُ وَالِاسْتِخْفَافُ وَهُوَ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا أُسْنِدَ إلَيْهِ هُنَا مُشَاكَلَةً أَوْ اسْتِعَارَةً لِمَا يُنْزِلُهُ بِهِمْ مِنْ الْحَقَارَةِ وَالْهَوَانِ الَّذِي هُوَ لَازِمُ الِاسْتِهْزَاءِ أَوْ الْغَرَضِ مِنْهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وَمَعْلُومٌ أَنْ لَيْسَ جَزَاءُ الِاعْتِدَاءِ اعْتِدَاءً إذْ لَيْسَ فِيهِ تَعَدٍّ عَنْ حُكْمِ الشَّرْعِ بَلْ هُوَ عَدْلٌ وَحَقٌّ وَلَا جَزَاءُ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْهَ عَنْهُ شَرْعًا وَالسَّيِّئَةُ مَا نُهِيَ عَنْهُ شَرْعًا بَلْ هُوَ حَسَنٌ فَهُمَا مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِجَامِعِ الْمُجَاوِرَةِ فِي التَّخَيُّلِ أَوْ مِنْ الْمُشَاكَلَةِ (وَكَثِيرٌ) إلَى أَنْ بَلَغَ فِي الْكَثْرَةِ حَدًّا يُفِيدُ الْجَزْمَ بِوُجُودِهِ وَلَا يُفِيدُ الْمَانِعِينَ تَجَشُّمُ دَفْعِ ذَلِكَ فِي صُوَرٍ مَعْدُودَةٍ مِنْهَا الْمَثَلُ الْمُتَقَدِّمَةُ فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ لَا تَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا فَالنُّورُ مَعْنَاهُ الظَّاهِرُ فِي نَفْسِهِ الْمُظْهِرُ لِغَيْرِهِ لَا الْعَرَضُ الَّذِي شَأْنُهُ هَذَا فَيَكُونُ إطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ حَقِيقَةً
وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ: الْمَكْرُ إيصَالُ الْمَكْرُوهِ إلَى الْغَيْرِ عَلَى وَجْهٍ يَخْفَى فِيهِ وَالِاسْتِهْزَاءُ إظْهَارُ الْإِكْرَامِ وَإِخْفَاءُ الْإِهَانَةِ فَيَجُوزُ صُدُورُهُمَا مِنْ اللَّهِ حَقِيقَةً لِحِكْمَةٍ وَقَوْلُهُ ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ اسْتِهْزَاءٍ حَقِيقَةُ الْجَهْلِ وَالِاعْتِدَاءُ إيقَاعُ الْفِعْلِ الْمُؤْلِمِ أَوْ هَتْكُ حُرْمَةِ الشَّيْءِ وَحِينَئِذٍ فَمَعْنَى الْآيَةِ كَمَا هَتَكُوا حُرْمَةَ شَيْءٍ أَيَّ حُرْمَةٍ كَانَتْ مِنْ الْحُرَمِ أَوْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ أَوْ النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ أَوْ الْعِرْضِ فَاهْتِكُوا حُرْمَةً لَهُ كَذَلِكَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْآيَةِ ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] وَالسَّيِّئَةُ مَا يَسُوءُ مَنْ يَنْزِلُ بِهِ (وَأَمَّا ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] فَقِيلَ): الْقَرْيَةُ فِيهِ (حَقِيقَةٌ) وَأَمَرَ بَنُو يَعْقُوبَ ﵈ أَبَاهُمْ أَنْ يَسْأَلَهَا (فَتُجِيبُهُ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إنْطَاقِهَا لَا سِيَّمَا وَالزَّمَانُ زَمَانُ النُّبُوَّةِ وَخَرْقِ الْعَوَائِدِ فَلَا يَمْتَنِعُ نُطْقُهَا بِسُؤَالِ نَبِيٍّ وَضَعُفَ بِأَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا إنَّمَا يَقَعُ لِنَبِيٍّ عِنْدَ التَّحَدِّي وَإِظْهَارِ الْمُعْجِزَاتِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ (وَقَدَّمْنَاهُ) أَيْ لَفْظَ الْقَرْيَةِ (حَقِيقَةً مَعَ حَذْفِ الْأَهْلِ)
وَيَشْهَدُ لَهُ تَخْصِيصُهُمْ الْقَرْيَةَ بِاَلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَهِيَ مِصْرُ أَوْ قَرْيَةٌ بِقُرْبِهَا لَحِقَهُمْ الْمُنَادِي فِيهَا فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَهْلُهَا مِنْ الْأَحْيَاءِ الْمُدْرِكِينَ لِمَا جَرَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ يُوسُفَ لَا نَفْسُ الْقَرْيَةِ لِأَنَّ جَمِيعَ الْجَمَادَاتِ مُتَسَاوِيَةٌ فِي عَدَمِ الْإِدْرَاكِ وَفِي أَنَّهَا لَوْ أَجَابَتْ لَكَانَ جَوَابُهَا دَالًّا عَلَى صِدْقِهِمْ وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ مَا قَبْلَهُ (وَ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] لَيْسَ مِنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ) وَهُوَ مَجَازُ الْعَلَاقَةِ لِأَنَّ هَذَا مِنْ مَجَازِ الزِّيَادَةِ (أَلَّا يَرَى إلَى تَعْلِيلِهِمْ) أَيْ الظَّاهِرِيَّةِ بِأَنَّهُ كَذِبٌ وَهُوَ لَا يَصْدُقُ عَلَى مَجَازِ الزِّيَادَةِ فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ (وَقَدْ أُجِيبَ) أَيْضًا مِنْ قَبْلِهِمْ بِغَيْرِ هَذَا فَأُجِيبَ (تَارَةً بِأَنَّهُ) أَيْ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] لِنَفْيِ الشَّبِيهِ (حَقِيقَةً) فَالْكَافُ فِيهِ مُسْتَعْمَلَةٌ

2 / 16