Al-Ṣubḥ al-munabbī ʿan ḥaythiyya al-mutanabbī
الصبح المنبي عن حيثية المتنبي
Publisher
المطبعة العامرة الشرفية
Edition
الأولى
Publication Year
١٣٠٨ هـ
نص الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
سبحان الذي زين رياض الفضائل بأزاهر الأدب الفض، وفضلّ عض عباده باقتناء المآثر على بعض، نحمده على تراكم الآية ونشكره على ترادف نعمآية، ونصلي على افضل مخلوقاته المرسل رحمة للعبادة وافصح من نطق بالضاد، واعترف بسحر بلاغته كل من وافق وضاد. وعلى آله وأصحابه ينابيع الحكم. ومصابيح الظلم وبعد فيقول المفتقر إلى عفو ربه الغني يوسف المشهور بالبديعي لما تشرفت الشهباء بانسار عين الكمال. وعين إنسان الافضال، علم العلم، وطور الحلم. الذي ما طلع نجم في سماء العذالة اسعد من سهيل طلعته ولا سطع كوكب في فلك الايالة ارفع من سماك
1 / 2
رفعته الحاوي من الأخلاق أكرمها وألطفها، ومن الأوصاف أفضلها وأشرفها. فلا مكرمة إلا وهو لها حايزة ولا محمدة إلا وهو بها فايزة ويصدق فيه المدح حتى كإنما، يسبح من صدق المقالة شاعرة، الماجد الذي فضايله لا تحصي، وفواضله لا تستقصي، ومن ذا يقدر على سكر مسيل البحر، وسد طريق القطر، فهو البحر الذي يغترف العلماء من تياره، والبدر الذي يقتبس الفضلاء من أنواره الحسام الماضي أجل موالي الدهر عبد الرحمن نجل الحسام، حرس الله بوجوده الأدب فأنه حليته وزينة وصان بعقابه العلم فانه جنته وصونه، وازدانت منه بمولى أجمع أهل الفضل على توحده في الدهر، واتفق آهل العقد والحل على تفرده بالفخر، وأضحت
1 / 3
سدته المنفذ كهف الفضلاء وحضرته الشريفة مناخ آمال الشعراء. أجبت أن الشرق لخدمته بتأليف كتاب يشتمل على غرر الآداب ونتائج الالباب، لم ينسج فكر علي منواله. ولم تسمح قريحة يمثاله، ليكون وسيلة إلى أن أعد من جملة خدامه. واترف بتقبيل مواطئ أقدامه، فينقذني من شوك الفقر، ويستخلصني من مخالب الدهر فصدتني الأيام عن وجهتي، وعارضتني بعوائقها عن طلب بغيتي وكان مدامه ظل، ورفع إلي أوج مرمه كل. يلهج بقلائد ابن الحسين وتمييزه علي الطايين، ولعمري أن ما قاله هو المعول عليه، والمرجع بعد التأمل الصادق إليه فهممت العزم قبل تفويق ذلك التأليف، وترصيف ذلك التصنيف علي
1 / 4
جمع مختصر يحتوي على ذكر أبي الطيب المتنبي وأخباره ويشتمل على نبذ من قلايد أشعاره خادما به جناب ذلك المولي، رزقه الله سعادتي الآخرة والأولي وأن كنت في إهدائه إلى عالي حضرته، وسامي سدته كمتبضع التمر إلى بعجزه ومهدي الفصاحة إلى أهل الوبرة ونامل المسك راقت صفاء ورقت كل حاشية منها وصدقت معانيها على الفكرة، كأنها من عصى موسى قد اكتسبت فلم تدع، للسوي صنعا ولم تدر، تضمنت نظم أخبار قد انتشرت، لابن الحسين بليغ البدو والحفر. ودونت باسم مولانا الذي برعت، يرح العدالة في أيامه الغور. نجل الحسام الذي ماضي عزيمته، في المشكلات يرى أمضى من القدر مولى كريم السجايا من خلايقه، تخلقت نسمات الروض في السحر. لو كان للزهر من لآلاء سويد، جزء لما احتجبت يوما عن النظر. طالت مدائحه من كل ذي أدب، وهل تطول يد للأنجم الزهر، وإن يقصر مديحي عن علاه فكم، قد أثنى مادح بالعي أو الحصر، أضمرت ذكر اسمه في طي مدحته، إذ كان أشهر في الدنيا من القمر، يا من فضائله من كل ذي بصر، في الشرق والغرب بلاء السمع والبصرة، أبقيت ذكر إنما أسديت في حلب، كالذكر نتلوه في الآصال والبكر. ثم ورد ما قاله حمادي الرواية، وتعالبي الدراية، صاحبنا الشيخ عبد القادر الحموي، وهو بتأليف مولا: البديعي يوسف، تجدد ما لابن الحسين من الفضل، تحلى به جيد الزمان وأصبحت. له نفرة كالروض غودي بالطل. وقد زيد حسنا انه صيغ باسم من، له قلم ما زال أمضى من النصل، يذكرنا ياقوت أدنى حروفه، وكل مثال منه جل عن المثل، سما ربه كثر الهداية والحجر، سماء العلى والمجد والفضل والبدل، حليف التقى نجل الحسام الذي ذهبت، به حلب الشهباء والأب كالنجل، وزحزح عنها ظلمة الظلم وانتفى، على عاتق العدوان وان سيفا من العدل، وابدأ بها بدر الفضائل بازغا، ومن قبله قد كان في صدف الجهل، ومن قبله والله لم نر قاضيا، له سطوة الضرغام في ورع الشبلي، هذا ما اخترناه من التقريضات ولولا خوف الإطالة لذكرناها جميعا فأنه لم يبق فاضل ولا شاعر من أبناء الشهباء ولا من غيرها المقيمين بها إلا وقد كتب تقريضا ومدح به جناب المولى أيده الله تعالى مساعدا لنا في مدحه لقصورنا عني شكر ما أسداه لنا وما يسديه فلا زالت الأفاضل تحت ظلال جوده قايله، والسنة الأقلام على أمد الليالي
بالإفصاح عن محامد قائله، ولا برحت قلوب أعاديه من هيبته خافقة، ورايات عدله المنصورة بالشرائع خافقة، وهذا دعاء يشمل كل إنسان، فيجب أن ينطق به لسان، وقد تم ووقع الفراغ من يسخر، من نسخة، أصله، على يد العبد الفقير الراجي عفو ربه الكريم المنان حسين ابن الحاج عثمان، الحلبي غفر الله زلله، وختم بالصالحات عمله، وذلك في اليوم السابع عشر من شهر رجب الفرد من شهور، سنة أربعة وخمسون وألف أحسن الله ختامها والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد واله وصحبه أجمعين.
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف
سبحان الذي زين رياض الفضائل بأزاهر الأدب الغض، وفضل بعض عبادة باقتناء المآثر على بعض: نحمده على تراكم آلائه، ونشكره على ترادف نعمائه، ونصلي على أفضل مخلوقاته، المرسل رحمة للعباد، وأفصح من نطق بالضاد، واعترف بسحر بلاغته كل من وافق وضاد. وعلى آله وأصحابه ينابيع الحكم، ومصابيح الظلم.
وبعد فيقول المفتقر إلى عفو ربه الغني، يوسف المشهور بالبديعي، لما تشرفت الشهباءُ بإنسان عين الكمال، وعين إنسان الإفضال، علم العلم، وطود الحلم، الذي ما طلع نجم في سماء العدالة أسعد من سُهْيل طلعته، ولا سطع كوكب في لك الإيالة، أرفع من سماك رفعته، الحاوي من الأخلاق أكرمها وألطفها، ومن الأوصاف أفضلها وأشرفها، فلا مكرمة إلا وهو لها حائز، ولا محمدة إلا وهو بها فائز.
ويصُدُق فيه المدح حتى كأنما ... يُسبَّحُ مِن صدقِ المقالة شاعُرةْ
الماجد الذي فضائله لا تحصى، وفواضله لا تستقصى؛ ومن ذا يقدر على سكر مسيل البحر، وسد طريق القطر؟ فهو البحر الذي يغترف العلماء من تياره، والبدر الذي يقتبس الفضلاء من أنواره. الحسام الماضي، أجل موالي الدهر، عبد الرحمن نجل الحسام، حرس الله بوجوده الأدب؛ فإنه حليته وزينة، وصان ببقائه العلم؛ فإنه جنته وصونة، وازدانت منه بمولى أجمع أهل الفضل على توحده في الدهر، واتفق أهل العقد والحل على تفرده بالفخر، وأضحت سدته المنيفة كهف الفضلاء، وحضرته الشريفة مناخ آمال الشعراء.
أحببتُ أن أتشرف لخدمته بتأليف كتاب، يشتمل على غرر الآداب، ونتائج الألباب، لم ينسج فكر على منواله، ولم تسمح قريحة بمثاله، ليكون وسيلة إلى أن أعد من جملة خدامه، وأتشرف بتقبيل مواطئ أقدامه، فينقذني من شرك الفقر، ويستخلصني من مخالب الدهر، فصدتني الأيام عن وجهتي وعارضتني بعوائقها عن طلب بغيتي، وكان - مد الله ظله، ورفع إلى أوج مرامه محله - يلهج بقلائد ابن الحسين وتمييزه على الطائيين ولعمري إن ما قاله هو المعول عليه، والمرجع بعد التأمل الصادق إليه.
فصمَّمْت العَزم قبل تفويف ذلك التأليف، وترصيف ذلك التصنيف، على جمع مختصر يحتوي على ذكر أبي الطيب المتنبي وأخباره، ويشتمل على نبذ من قلائد أشعاره. خادمًا به جناب ذلك المولى، رزقه الله سعادتي للآخرة والأولى؛ وإن كنت في إهدائه إلى عالي حضرته، وسامي سدته. كمستبضع التمر إلى هجر، ومهدي الفصاحة إلى أهل الوبر، وناقل المسك، إلى التركوالعود إلى الهنود، والعنبر إلى البحر الأخضر، وكمن ساق إلى البحر نهرًا وأهدى إلى الشمس نورًا، بل كمن أهدى كوز ماء أجاج، إلى بحر فرات عجاج؛ فإنه الهمام الذي جمع صفات الكمال، فلا يباري، وأحرز قصب السبق في مضمار البلاغة فلا يجاري وسميته: بالصبح المنبي، عن حيثية المتنبي.
أخبار المتنبي
هو أحمد بن الحسين بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الملقب بأبي الطيب وكان
1 / 5
والده الحسين يعرف بعيدان السقا.
وكان مولد المتنبي بالكوفة سنة ثلاث وثلاثمائة وكان شاعرًا عظيمًا مشهورًا مذكورًا محظوظًا من الملوك والكبراء. قدم الشام في صباه وجال في أقطارها.
وكان يكتم نسبه. فسئل عن ذلك، فقال: إني أنزل دائمًا على قبائل العرب، وأحب ألا يعرفوني، خيفة أن يكون لهم في قومي ترة.
قال أبو الحسن محمد بن يحيى العلوي.
كان أبو الطيب وهو صبي ينزل في جواري بالكوفة، وكان محبًا للعلم والأدب، فصحب الأعراب في البادية، وجاءنا بعد سنين بدويًا قحًا وكان تعلم الكتابة والقراءة فلزم أهل العلم والأدب، وأكثر من ملازمة الوراقين فكان علمه من دفاترهم.
وأخبرني وراق قال: ما رأيت أحفظ من ابن عيدان
1 / 6
قط، فقلت له: كيف ذلك؟ فقال: كان اليوم عندي وقد أحضر رجل كتابًا نحو ثلاثين ورقة ليبيعه، فأخذ ابن عيدان ينظر فيه طويلا. فقال له الرجل: يا هذا، أريد بيعه، وقد قطعتني عن ذلك، فإن كنت تريد حفظه فهذا يكون - إن شاء الله - بعد شهر. قال: فقال له ابن عيدان: فإن كنت حفظته في هذه المدة فما لي عليك؟ قال. أهب لك الكتاب. قال: فأخذت الدفتر من يده، فأقبل يتلوه، حتى انتهى إلى آخره.
ومثله في قوة الحافظة، ما حكاه الأمير أسامة بن منقذ عن أبي العلاء المعري، قال كان بإنطاكية خزانة كتب، وكان الخازن بها رجلًا علويا، فجلست يومًا عنده، فقال لي: قد خبأت لك خبيئة غريبة ظريفة، لم يسمع بمثلها في تاريخه،
1 / 7
ولا في كتاب منسوخ. قلت: وما هي؟ قال: صبي دون البلوغ ضرير يتردد إلى، وقد حفظته في أيام قلائل عدة كتب؛ وذاك أتى أقرأ عليه الكراسة والكراستين مرة واحدة، فلا يستعيد إلا ما يشك فيه، ثم يتلو على ما قد سمعه، كأنه كان محفوظًا له. قلت: فلعله قد يكون. قال شبحان الله! كل كتاب في الدنيا يكون محفوظًا له! ولئن كان ذلك كذلك فهو أعظم. ثم حضر المشار إليه، وهو صبي دميم الخلقة، مجدر الوجه، على عينيه بياض من أثر الجدري كأنه ينظر بإحدى عينيه قليلًا، وهو يتوقد ذكاء، يقوده رجل طويل من الرجال، أحسبه يقرب من نسبه، فقال له الخازن: يا ولدي، هذا السيد رجل كبير القدر، وقد وصفتك عنده، وهو يحب أن تحفظ اليوم ما يختاره لك، فقال: سمعًا له وطاعة،
1 / 8
فيختار ما يريد.
قال ابن منقذ: فأخترت شيئًا. وقرأته على الصبي وهو يموج ويستزيد، فإذا مر بشيء يحتاج إلى تقريره في خاطره، يقول: أعد هذا، فأرده عليه مرة أخرى، حتى انتهيت إلى ما يزيد على كراسة، ثم قلت له: يقنع هذا من قبل نفسي. قال: أجل، حرسك الله! قلت: كذا، وتلا على ما أمليته عليه، وأنا أعارضه بالكتاب حرفًا حرفًا، حتى انتهى إلى حيث وقفت عليه، فكاد عقلي يذهب لما رأيت منه، وعلمت أنه ليس في العالم من يقدر على ذلك إلا أن يشاء الله؛ وسألت عنه، فقيل لي: هذا أبو العلاء المعري التنوخي من بيت العلم والقضاء والثروة والغناء.
وأعجب من هذه. ما حكى بعض طلبته عنه، قال: كان لأبي العلاء جار أعجمي، فاتفق أنه غاب عن المعرة،
1 / 9
فحضر رجل أعجمي يطلبه، قد قدم من بلده، فوجده غائبًا، فلم يمكنه المقام، فأشار إليه أبو العلاء أن يذكر حاجته إليه. فجعل ذلك الرجل يتكلم بالفارسية، وأبو العلاء يصغي إليه، إلى أن فرغ من كلامه، ولم يكن أبو العلاء يعرف الفارسية، ومضى الرجل، وقدم جاره الغائب، وحضر عند أبي العلاء، فذكر له حال الرجل، وجعل يذكر له بالفارسية ما قال، والرجل يبكي ويستغيث ويلطم، إلى أن فرغ من حديثه، وسئل عن حاله، فأخبر أنه أخبر بموت أبيه واخوته وجماعة من أهله.
ومثل هذه ما ذكره تلميذة أبو زكريا التبريزي: أنه كان قاعدًا في مجلسه بمعرة النعمان بين يدي أبي العلاء، يقرأ شيئًا من تصانيفه. قال: وكنت قد أقمت عنده سنين ولم أر
1 / 10
أحدًا من أهل بلدي، فدخل المسجد بعض جيراننا للصلاة، فرأيته وعرفته، وتغيرت من الفرح. فقال لي أبو العلاء: أي شيء أصابك؟ فحكيت له أني رأيت جارًا لي، بعد أن لم ألق أحدًا من أهل بلدي سنين. فقال: قم فكلمه. فقلت حتى أتمم السبق. فقال: قم وأنا انتظرك. فقمت وكلمته بلسان الأذْرَبية شيئًا كثيرًا، إلى أن سألت عن كل ما بدا لي، أي لسان: هذا؟ قلت: هذا لسان أذربيجان. فقال لي: ما عرفت اللسان ولا فهمته، غير أني حفظت ما قلتما، ثم أعاد على اللفظ بعينه، من غير أن ينقص منه أو يزيد عليه. وهذا من أعجب العجائب، لأنه حفظ ما لم يفهمه.
وحكى عنه بعض أصحابه أيضًا أن جارًا سمانًا كان بينه
1 / 11