Al-sīra al-nabawiyya
السيرة النبوية
Editor
طه عبد الرؤوف سعد
Publisher
شركة الطباعة الفنية المتحدة
Regions
•Egypt
Empires & Eras
Caliphs in Iraq, 132-656 / 749-1258
أَشَدُّ مَا أُوذِيَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: مَا أَكْثَرَ مَا رَأَيْتَ قُرَيْشًا أَصَابُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا كَانُوا يُظهرون مِنْ عَدَاوَتِهِ؟ قَالَ: حضرتُهم وَقَدْ اجْتَمَعَ أشرافُهم يَوْمًا فِي الحِجْر، فَذَكَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا مثلَ مَا صَبَرْنَا عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ قَطُّ، سفَّه أحلامَنا، وَشَتَمَ آباءَنا، وَعَابَ دينَنا، وفرَّق جماعَتنا، وسبَّ آلِهَتَنَا، لَقَدْ صَبَرْنَا مِنْهُ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ، أَوْ كَمَا قَالُوا. فبينَا هُم فِي ذَلِكَ إذْ طَلَعَ رسولُ اللَّهِ ﷺ فَأَقْبَلَ يَمْشِي حَتَّى اسْتَلَمَ الركنَ، ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ طَائِفًا بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا مَرَّ بِهِمْ غَمَزُوهُ بِبَعْضِ الْقَوْلِ. قَالَ: فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ثُمَّ مَضَى، فَلَمَّا مرَّ بِهِمْ الثَّانِيَةَ غَمَزُوهُ بمثلِها، فعرفتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثم مرَّ الثَّالِثَةَ فَغَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا، فَوَقَفَ ثُمَّ قَالَ: أَتَسْمَعُونَ يَا معشرَ قُريش، أَمَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بالذَّبْح١. قَالَ: فَأَخَذَتْ القومَ كلمتُه حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إلَّا كَأَنَّمَا عَلَى رَأْسِهِ طائرٌ وَاقِعٌ، حَتَّى إنَّ أشدَّهم فِيهِ وَصَاةً قَبْلَ ذَلِكَ لَيرْفَؤُه٢ بِأَحْسَنِ مَا يَجِدُ مِنْ الْقَوْلِ، حَتَّى إنَّهُ لِيَقُولَ: انصرفْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَوَاَللَّهِ مَا كنتَ جَهُولًا. قَالَ: فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إذَا كَانَ الغدُ اجْتَمَعُوا فِي الحِجْر وَأَنَا مَعَهُمْ، فَقَالَ بعضُهم لِبَعْضِ: ذَكَرْتُمْ مَا بَلَغَ مِنْكُمْ، وَمَا بَلَغَكُمْ عَنْهُ، حَتَّى إذَا بادَاكم بِمَا تَكْرَهُونَ تَرَكْتُمُوهُ. فَبَيْنَمَا هُمْ فِي ذَلِكَ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رسولُ اللَّهِ ﷺ فَوَثَبُوا إلَيْهِ وثبةَ رجلٍ وَاحِدٍ، وَأَحَاطُوا بِهِ، يَقُولُونَ: أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ كَذَا وَكَذَا؛ لِمَا كَانَ يَقُولُ مِنْ عَيْب آلِهَتِهِمْ وَدِينِهِمْ، فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "نَعَمْ، أَنَا الَّذِي أَقُولُ ذَلِكَ". قَالَ: فَلَقَدْ رأيتُ رَجُلًا مِنْهُمْ أَخَذَ بمجْمَع رِدَائِهِ. قَالَ: فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ دُونَهُ، وَهُوَ يَبْكِي وَيَقُولُ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لأشدُّ مَا رأيتُ قُرَيْشًا نَالُوا مِنْهُ قط.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بعضُ آلِ أُمِّ كلثوم بنت أبي بكر، أنها قالت: رَجَعَ أَبُو بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ وَقَدْ صَدَعُوا فَرْقَ رأسِه؛ مما جبذوه بلحيته، وكان كثير الشعر.
١ يعرض ﷺ بهلاكهم.
٢ رفأه: هدأه.
1 / 259