193

Al-qawāʿid al-nūrāniyya al-fiqhiyya

القواعد النورانية الفقهية

Editor

د أحمد بن محمد الخليل

Publisher

دار ابن الجوزي

Edition

الأولى

Publication Year

1422 AH

عَارِيَةً، وَشَبَّهُوا ذَلِكَ بِالْقَرْضِ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُقْتَرِضُ ثُمَّ يَرُدُّ مِثْلَهُ. وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: " «مَنِيحَةُ لَبَنٍ، أَوْ مَنِيحَةُ وَرِقٍ» " فَاكْتِرَاءُ الشَّجَرِ ; لِأَنْ يَعْمَلَ عَلَيْهَا وَيَأْخُذَ ثَمَرَهَا بِمَنْزِلَةِ اسْتِئْجَارِ الظِّئْرِ لِأَجْلِ لَبَنِهَا، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ إِجَارَةٌ مَنْصُوصَةٌ إِلَّا إِجَارَةَ الظِّئْرِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] [الطَّلَاقِ: ٦] .
وَلَمَّا اعْتَقَدَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا عَلَى مَنْفَعَةٍ لَيْسَتْ عَيْنًا، وَرَأَى جَوَازَ إِجَارَةِ الظِّئْرِ، قَالَ: الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ هُوَ وَضْعُ الطِّفْلِ فِي حَجْرِهَا، وَاللَّبَنُ دَخَلَ ضِمْنًا وَتَبَعًا، كَنَقْعِ الْبِئْرِ، وَهَذَا مُكَابَرَةٌ لِلْعَقْلِ وَالْحِسِّ، فَإِنَّا نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْعَقْدِ هُوَ اللَّبَنُ كَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، وَضَمُّ الطِّفْلِ إِلَى حَجْرِهَا إِنْ فُعِلَ فَإِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ مَا ذَكَرْتُهُ: مِنْ أَنَّ الْفَائِدَةَ الَّتِي تُسْتَخْلَفُ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهَا تَجْرِي مَجْرَى الْمَنْفَعَةِ، وَلَيْسَ مِنَ الْبَيْعِ الْخَاصِّ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُسَمِّ الْعِوَضَ إِلَّا أَجْرًا، لَمْ يُسَمِّهِ ثَمَنًا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَبَ اللَّبَنَ، فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ إِلَّا بَيْعًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ الْفَائِدَةَ مِنْ أَصْلِهَا، كَمَا يَسْتَوْفِي الْمَنْفَعَةَ مِنْ أَصِلُهَا.
فَلَمَّا كَانَ لِلْفَوَائِدِ الْعَيْنِيَّةِ الَّتِي يُمْكِنُ فَصْلُهَا عَنْ أَصْلِهَا حَالَانِ:

1 / 213