142

Al-qawāʿid al-nūrāniyya al-fiqhiyya

القواعد النورانية الفقهية

Editor

د أحمد بن محمد الخليل

Publisher

دار ابن الجوزي

Edition

الأولى

Publication Year

1422 AH

قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] فَتِلْكَ الْآيَةُ فِي جِنْسِ الْمُعَاوَضَاتِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي جِنْسِ التَّبَرُّعَاتِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ لَفْظًا مُعَيَّنًا، وَلَا فِعْلًا مُعَيَّنًا يَدُلُّ عَلَى التَّرَاضِي، وَعَلَى طِيبِ النَّفْسِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ عَادَاتِ النَّاسِ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ التَّرَاضِي وَطِيبَ النَّفْسِ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ.
فَنَقُولُ: قَدْ وُجِدَ التَّرَاضِي وَطِيبُ النَّفْسِ، وَالْعِلْمُ بِهِ ضَرُورِيٌّ فِي غَالِبِ مَا يُعْتَادُ مِنَ الْعُقُودِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي بَعْضِهَا، وَإِذَا وُجِدَ تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِمَا بِدَلَالَةِ الْقُرْآنِ، وَبَعْضُ النَّاسِ قَدْ يَحْمِلُهُ اللَّدَدُ فِي نَصْرِهِ لِقَوْلٍ مُعَيَّنٍ عَلَى أَنْ يَجْحَدَ مَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ مِنَ التَّرَاضِي وَطِيبِ النَّفْسِ، فَلَا عِبْرَةَ بِجَحْدِ مِثْلِ هَذَا، فَإِنَّ جَحْدَ الضَّرُورِيَّاتِ قَدْ يَقَعُ كَثِيرًا عَنْ مُوَاطَأَةٍ وَتَلْقِينٍ فِي الْأَخْبَارِ وَالْمَذَاهِبِ، فَالْعِبْرَةُ بِالْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ الَّتِي لَمْ يُعَارِضْهَا مَا يُغَيِّرُهَا، وَلِهَذَا قُلْنَا: إِنَّ الْأَخْبَارَ الْمُتَوَاتِرَةَ يَحْصُلُ بِهَا الْعِلْمُ حَيْثُ لَا تَوَاطُؤَ عَلَى الْكَذِبِ؛ لِأَنَّ الْفِطَرَ السَّلِيمَةَ لَا تَتَّفِقُ عَلَى الْكَذِبِ، فَأَمَّا مَعَ التَّوَاطُؤِ وَالِاتِّفَاقِ فَقَدْ يَتَّفِقُ جَمَاعَاتٌ عَلَى الْكَذِبِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ جَاءَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ مُعَلَّقًا بِهَا أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ، وَكُلُّ اسْمٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ حَدٍّ، فَمِنْهُ مَا يُعْلَمُ حَدُّهُ بِاللُّغَةِ، كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَمِنْهُ مَا يُعْلَمُ بِالشَّرْعِ، كَالْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالْمُنَافِقِ، وَكَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَدٌّ فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الشَّرْعِ فَالْمَرْجِعُ فِيهِ إِلَى عُرْفِ النَّاسِ، كَالْقَبْضِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ ﷺ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ» .

1 / 162