Al-Qawāʿid al-fiqhiyya al-mustakhraja min iʿlām al-muwaqqiʿīn
القواعد الفقهية المستخرجة من إعلام الموقعين
Publisher
دار ابن القيم ودار ابن عفان
رسائل جامعية
القواعد الفقهية
المستخرجة من كتاب إعلام الموقعين
للعلامة ابن قيم الجوزية
رحمه الله
إعداد
أبي عبد الرحمن عبد المجميد جمعة الجزائري
تقديم
فضيلة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد
دار ابن القيم دار ابن عفان
1
قال العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد:
لو لم يكن من مؤلّفاته إلاّ كتابه "زاد المعاد في هدي خير العباد"، ذلك الكتاب النافع المعطار، وكتابه الجامع لأمّهات الأحكام، وحقائق الفقه، وأصول التشريع، وحكمته وأسراره المسمّى "إعلام الموقّعين"، وغيرهما مِمَّا يعجب ويطرب، لو لم يكن منها إلاّ هذان الكتابان لكفى.
ابن قيم الجوزية: حياته، آثاره، موارده (ص٧١ - ٧٢)
2
Unknown page
Unknown page
تقديم بقلم الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد
الحمد لله بجميع المحامد وأكملها، على جميع نعمه ظاهرها وباطنها، وصلى الله وسلم على خير الخلائق وأفضلها، وعلى صحابته والتابعين لهم بإحسان في كليات الإحسان وجزئياتها.
أما بعد: فهذا نفس من الغرب الإسلامي، يتضوع مسكاً أذفراً، وعلماً جمّا، وبياناً عذباً - وأي عبد لك ما ألمّا - يجري عبر قلم حدا حادي الحيف إلى العلم الشرعي، على ميراث النبوة صافياً، فوقع الاختيار منه موفقاً على علمٍ من الشرق الإسلامي وآله، يستثمر من علومه، ويلتقط من غوالي درره وفهومه، يجمعهما - مع تباعد الدار، ومدى الزمان -: شرف الالتقاء على مائدة الإسلام الباقية، ومعجزته الخالدة الشريفة صافية، فجال هذا القلم المبارك من الجزائر حولته في معين واسع من كتب علم من أعلام الإسلام الدماشقة، صاحب التصانيف المفيدة، الشيخ العلامة ابن قيم الجوزية (ت سنة ٧٥١هـ)، وذلك في أنبل كتبه، وأجلها وأثراها بالقواعد الفقهية، والتخريج عليها: "إعلام الموقعين عن رب العالمين"، فاستقرأ منه تسعاً وتسعين قاعدة، قرب لمحبي العلم كلامه فيها، ولا أحسبه إلا قبض قبضة من آثار هذا الإمام، فزاده بياناً وتوضيحاً، وعزواً وتوثيقاً، ثم جعل هذا الكتاب ((وثيقة شرعية للقواعد الفقهية))، سهل السياق، ويألفه القارئ ويستفيد منه بلا أستاذ، فجزى الله أخانا الشيخ عبد المجيد جمعة خير الجزاء، وبارك في علمه ونفع به، وجعلنا وإياه من عباده الصالحين، وحزبه المفلحين، وحراس هذا الدين، حتى نلقى ربنا ونحن على ذلك من الشاهدين.
كتب:
بكر بن عبد الله أبو زيد
5
Unknown page
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ولاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ﴾(١).
﴿يَا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثْ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً ونِسَاءً واتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾(٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾(٣).
أما بعد: فإنّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد
(١) سورة آل عمران: ١٠٢.
(٢) سورة النساء : ١.
(٣) سورة الأحزاب : ٧٠ -٧١.
7
صلّى الله عليه وسلّم، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار.
وبعد: فإنّ علم القواعد الفقهيّة، علم جليلٌ قدرُه، عظيمٌ شأنه، عميم نفعه، عال شرفه وفخره، اكتحلت بإنمده عيون الأعلام، وتزيّنت بحلّته أعطاف ذوي الأفهام، واستبصرت بنوره أنظار أولي النّهى والأحلام ؛ إذ هو قاعدة الأحكام، والفاصل بين الحلال والحرام، وبه تتحقق مصالح الأنام، وتحكم المسائل غاية الإحكام.
لا يستغني عنه كلّ مجتهد فقيه، ولا يرغب عنه كلّ عالم نبيه؛ لأنّه العمدة في الاجتهاد، والقاعدة التي عليها الاستناد والاعتماد، والأصل الذي يرجع إليه جميع المواد.
وقد أشاد كثير من العلماء بشأنه، ونوّهوا بأمره، وبيّنوا عظيم فائدته. يقول الحافظ ابنُ رَجَبِ الْحَنْبَلِيُّ(١) - رحمه الله -:
« أما بعد: فهذه قواعد مهمّة، وفوائد جمّة، تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه من مآخذ الفقه على ما كان عنه قد تغيّب، وتنظم له منثور المسائل في سلك واحد، وتقيّد له الشوارد، وتقرّب عليه كلّ متباعد». اهـ(٢).
وجرّدوا في مسالكه العناية، وبلغوا في مآخذه النّهاية، حيث خرّجوا الفروع على الأصول والقواعد، وبيّنوا مسالك الأنظار ومدارك المعاقد، وكيفية ائتلاف النظائر، واختلاف المآخذ واجتماع الشّوارد.
(١) ستأتي ترجمته.
(٢) القواعد في الفقه الإسلامي (ص ٣).
8
وسلكوا في تدوين القواعد وضبطها، وتحرير فصولها مسلكين:
الأول: من لم يصنف فيها استقلالاً، وإنما صنف في الفقه، وضمنه قواعد عند تعليل الأحكام، ومسالك الاستدلال. وهذا ما نراه في أمهات الكتب الفقهية.
ومن أشهرها في الفقه الحنفي: "بدائع الصنائع" للإمام الكَسَانِيِّ(١)؛ و"التّحرير شرح الجامع الكبير" للإمام الحَصِيرِي(٢).
ومن أشهرها في الفقه المالكي: "الذّخيرة" للإمام القَرَافِيِّ(٣).
(١) هو أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكساني (ويروى الكشاني) علاء الدين الحنفي، من أهل حلب. توفي بها سنة (٥٨٧هـ). له «بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع»، و«سلطان المبين في أصول الدين» انظر «الأعلام» (٧٠/٢).
(٢) وقد استخرجها علي أحمد الندوي، نال بها درجة الدكتوراه. والحصيري هو: الإمام محمود بن أحمد بن عبد السيد جمال الدين أبو المجامد، البخاري، الناجري، الشهير بالحصيري الحنفي. ولد ببخارى سنة (٥٤٦هـ) ونشأ بها، وتفقّه وبرع، وسكن دمشق وتوفي بها في ثامن صفر سنة (٦٣٦ هـ). وله تسعون سنة، وازدحم الخلق على نعشه، وحمله الفقهاء على الرؤوس وكان يوماً مشهوداً. ومن مؤلفاته: «شرح السير الکبیر»، و«التحرير شرح الجامع الكبير» و«النّجم الهادى السّاري إلى حل ألفاظ صحيح البخاري» انظر: «سير أعلام النبلاء» (٥٣/٢٣ - ٥٤)، و«البداية والنهاية» (١٥٢/١٣ - ١٥٣) وانظر: «القواعد والضوابط المستخلصة من التحرير» (ص ٣٩ - ٧٦) لعلي أحمد الندوي.
(٣) هو الإمام شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي العلاء إدريس بن عبد الرحمن بن عبد الله بن يلين الصنهاجي البفشيمي القرافي، انتهت إليه رئاسة المالكية. توفي بمصر في جمادى الآخرة سنة (٦٨٤ هـ). وترك عدة مؤلفات منها: «الفروق»، و«الذّخيرة». انظر:
9
ومن أشهرها في الفقه الشّافعي: "المجموع شرح المهذّب" للإمام النَّوويِّ(١). ومن أشهرها في الفقه الحنبلي: "المغني" لابن قُدَامَةَ المَقْدِسِيِّ(٢).
فالقواعد الفقهية في مثل هذه المصادر متناثرة في أبواب مختلفة.
المسلك الثاني: من أفردها بالتّصنيف، وجمعها تحت عنوان: القواعد أو الأشباه والنظائر.
«الديباج المذهب» لابن فرحون (٦٢ - ٦٧)؛ و«شجرة النور الزكية» (رقم: ٦٢٧)؛ و «الأعلام» للزركلي (٩٤/١ - ٩٥).
(١) هو الإمام الحافظ الأوحد القدوة شيخ الإسلام محي الدين أبو زكريا يحي بن شرف بن مري الخزامي الحراني الشافعي. ولد في محرم سنة (٦٣١هـ). ومات في رابع عشر رجب سنة (٦٧٦ هـ). وصنف التصانيف النافعة في شتى العلوم، منها: «شرح صحيح مسلم»؛ و«المجموع شرح المهذّب». انظر «تذكرة الحفاظ» (١٤٧٠/٤ - ١٤٧٤ رقم ١١٦٢) و«طبقات الشافعية الكبرى» لابن السبكي (٤٥٥/٨) و«طبقات الشافعية» للإسنوي (٤٧٦/٢ - ٤٧٧ رقم: ١١٧٢) و«طبقات الشافعية» لابن هداية الله (ص ٢٢٥) ؛ وانظر «المنهج السوي في ترجمة الإمام النووي» للسيوطي؛ و«المنهل العذب الرويّ في ترجمة قطب الأولياء النوويِّ» للإمام السخاوي.
(٢) هو الإمام موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الجمّاعيلي ثم الدمشقي الحنبلي. مولده بجماعيل من عمل نابلس في شعبان سنة (٥٤١هـ)، وقدم دمشق مع أهله وله عشر سنين، قرأ القرآن، وحفظ مختصر الخرقى، وكان شيخ الحنابلة. توفي يوم السبت يوم عيد الفطر سنة ٧٢٠، و صنف التصانيف الكثيرة الحسنة منها «المغني في الفقه» و«الكافي» و«المقنع» وغيرها كثيرة. انظر: «سير أعلام النبلاء» (١٦٥/٢٢ - ١٧٣)، و«البداية والنهاية» (٩٩/١٣ - ١٠١)، و«ذيل طبقات الحنابلة» (١٣٣/٢ - ١٤٩ رقم: ٢٧٢).
10