Al-Nihāya fī mujarrad al-fiqh waʾl-fatwā
النهاية في مجرد الفقه والفتوى
كتاب الطهارة باب ماهية الطهارة وكيفية ترتيبها الطهارة في الشريعة اسم لما يستباح به الدخول في الصلاة.
وهي تنقسم قسمين: وضوء وتيمم. ومدارهما على أربعة أشياء:
أحدها وجوب الطهارة، وثانيها ما به تكون الطهارة، وثالثها كيفية الطهارة، ورابعها ما ينقض الطهارة.
فأما العلم بوجوبها فحاصل لكل أحد خالط أهل الشرع ولا يرتاب أحد منهم فيه.
والعلم بما فيه تكون الطهارة فينقسم قسمين: أحدهما العلم بالمياه وأحكامها وما يجوز الطهارة به منها وما لا يجوز، والثاني العلم بما يجوز التيمم به وما لا يجوز.
وأما العلم بكيفية الطهارة فينقسم قسمين: أحدهما العلم بالطهارة الصغرى وكيفيتها، والثاني العلم بالطهارة الكبرى من الأغسال وأحكامها.
وأما القسم الرابع وهو ما ينقض الطهارة فهو أيضا على ضربين: أحدهما ينقض الطهارة الصغرى ولا يوجب الكبرى،
Page 1
والثاني ينقضها ويوجب الطهارة الكبرى.
والذي يتبع الطهارة مما يحتاج إلى العلم به، للدخول في الصلاة وإن لم يقع عليه اسم الطهارة، العلم بإزالة النجاسات من البدن والثياب، ولأنه لا يجوز الدخول في الصلاة مع نجاسة على البدن أو الثوب كما لا يجوز الدخول في الصلاة مع عدم الطهارة ونحن نرتب ذلك على حسب ما تقتضيه الحاجة إليه، إن شاء الله.
أما العلم بوجوب الطهارة فقد بينا حصوله لا محالة، فلأجل ذلك لم نشرع فيه.
وأما ما به تقع الطهارة من المياه وغيرها فيجب أن يكون العلم به مقدما على العلم بكيفية إيقاعها، فلأجل ذلك بدأنا به في أول الكتاب، ثم نذكر بعد ذلك ما وعدنا من الأقسام الأخر، إن شاء الله.
باب المياه وأحكامها وما يجوز الطهارة به منها وما لا يجوز، وبيان ما يقع فيها مما يغير حكم الطهارة منها، وما يرفع ذلك الحكم عنها الماء كله طاهر ما لم يقع فيه نجاسة تفسده. وهو على ضربين: طاهر مطهر وطاهر ليس بمطهر.
Page 2
فأما الماء الطاهر الذي ليس بمطهر، فالمياه المضافة، مثل ماء الباقلي، وماء الآس وماء الورد. وهذه المياه لا يجوز استعمالها في شئ من الطهارات ولا في إزالة النجاسات من البدن والثياب.
ولا بأس في الشرب وغيره ما لم يقع فيها شئ من النجاسة.
فإن وقع فيها شئ من النجاسة فلا يجوز استعمالها إلا عند الضرورة والخوف من تلف النفس.
وأما الطاهر المطهر فهو كل ما يستحق إطلاق اسم الماء من غير إضافة. وهو على ضربين: جار وراكد.
فالمياه الجارية كلها طاهرة مطهرة لا ينجسها شئ مما يقع فيها من النجاسات إلا ما يغير لونها أو طعمها أو رائحتها. فإنه متى تغير شئ من أوصافها المذكورة بما يقع فيها من النجاسات فلا يجوز استعمالها في الطهارة.
والمياه الراكدة على ثلاثة أقسام: مياه الغدران والقلبان والصانع، ومياه الأواني المحصورة، ومياه الآبار.
فأما مياه الغدران والقلبان فإن كان مقدارها مقدار الكر وحد الكر ثلاثة أشبار ونصف طولا في ثلاثة أشبار ونصف عرضا في ثلاثة أشبار ونصف عمقا، أو يكون مقداره ألفا ومأتي رطل بالعراقي فإنه لا ينجسها شئ مما يقع فيها من النجاسات إلا ما غير لونها أو طعمها أو رائحتها. فإن تغير أحد أوصافها بما يقع فيها من النجاسة، فلا يجوز استعمالها على حال. وإن
Page 3
كان تغيرها من قبل نفسها أو بما يلاقيها من الأجسام الطاهرة، فإنه لا بأس باستعمالها ما لم يسلبها إطلاق اسم الماء، وإن غير لونها أو طعمها أو رائحتها. وإن كان مقدارها أقل من الكر فإنه ينجسها كل ما يقع فيها من النجاسات، ولا يجوز استعمالها على حال. ويكره استعمال هذه المياه مع وجود المياه الجارية والمياه المتيقن طهارتها.
ولا تنجس مياه الغدران بولوغ السباع والبهائم والحشرات وسائر الحيوان فيها إلا الكلب خاصة والخنزير، فإنه ينجسها إن كان دون الكر. وإن كانت زائدة على الكر فليس به بأس.
وأما مياه الأواني المحصورة فإن وقع فيها شئ من النجاسة أفسدها ولم يجز استعمالها. وإن كان ما يقع فيها طاهرا، فلا بأس باستعمالها ما لم يسلبها إطلاق اسم الماء وإن غير لونها أو طعمها أو رائحتها. فلا بأس باستعمال المياه وإن كانت قد استعملت مرة أخرى في الطهارة، إلا أن يكون استعمالها في الغسل من الجنابة أو الحيض، أو ما يجري مجراهما، أو في إزالة النجاسة. ولا بأس للرجل أن يستعمل فضل وضوء المرأة.
وكذلك المرأة لا بأس لها أن تستعمل فضل وضوء الرجل.
ولا بأس بأسئار المسلمين واستعمال ما شربوا منه في الطهارة سواء كان رجلا أو امرأة. ويكره استعمال سؤر الحائض إن كانت متهمة. وإذا كانت مأمونة فلا بأس به. ولا يجوز استعمال أسئار
Page 4
من خالف الإسلام من سائر أصناف الكفار. وكذلك أسئار الناصب لعداوة آل محمد عليهم السلام. ولا بأس بسؤر كل ما يؤكل لحمه من سائر الحيوان. ولا بأس باستعمال سؤر البغال والحمير والدواب والهر وغير ذلك إلا الكلب خاصة والخنزير. وكذلك لا بأس بأسئار الطيور كلها إلا ما أكل الجيف أو كان في منقاره أثر دم.
وماء الحمام سبيله كسبيل الماء الجاري إذا كانت له مادة من المجرى. فإن لم يكن له مادة فهو على طهارته ما لم تعلم فيه نجاسة. فإن علمت فيه نجاسة أو أدخل يده فيه يهودي أو نصراني أو مشرك أو ناصب ومن ضارعهم من أصناف الكفار، فلا يجوز استعماله على حال. وغسالة الحمام لا يجوز استعماله على حال.
ومتى ولغ الكلب في الإناء نجس الماء ووجب إهراقه، وغسل الإناء ثلاث مرات: إحداهن وهي الأولى بالتراب. وكذلك كل إناء وقع فيها نجاسة وجب إهراق ما فيها من الماء وغسلها ثلاثة مرات، غير أنه لا يعتبر غسلها بالتراب، إلا في ولوغ الكلب خاصة. وقد روي أنه يكفي إهراق ما فيها وغسل الإناء مرة واحدة. والأحوط ما قدمناه. ومتى مات في الآنية حيوان له نفس سائلة، نجس الماء ووجب إهراقه وغسل الإناء حسب ما قدمناه. والفأرة إذا ماتت في الإناء وجب إهراق ما فيها وغسل
Page 5
الإناء سبع مرات، وكذلك حكم الخمر. وكل ما يقع في الماء فمات فيه مما ليس له نفس سائلة، فلا بأس باستعمال ذلك الماء إلا الوزغ والعقرب خاصة، فإنه يجب إهراق ما وقع فيه وغسل الإناء حسب ما قدمناه. وإذا وقعت الفارة والحية في الآنية أو شربتا منها ثم خرجا حيا، لم يكن به بأس.
والأفضل ترك استعماله على حال. والوزغ إذا وقع في الماء ثم خرج منه، لم يجز استعماله على حال. وإذا كان مع الإنسان إناءان أو ما زاد عليهما، ووقع في أحدهما نجاسة ولم يعلمه بعينه، وجب عليه إهراق جميعه والتيمم للصلاة، إذا لم يقدر على غيره من المياه الطاهرة.
وأما مياه الآبار فإنها تنجس بكل ما يقع فيها من النجاسات ولا يجوز استعمالها قبل تطهيرها. فإن وقع في البئر خمر أو فقاع أو شراب مسكر أو مني أو دم حيض أو بعير فمات فيه، وجب نزح الماء كله. فإن تعذر ذلك عليه، يتراوح على نزحه أربعة رجال من الغداة إلى العشي يتناوبون عليه. وإن مات فيه انسان، وجب أن ينزح منه سبعون دلوا. وإن مات فيه حمار أو بقرة أو دابة، وجب أن ينزح منه كر من ماء إذا كان الماء أكثر من كر. فإن كان أقل منه، وجب نزح جميعه. فإن مات فيها كلب أو شاة أو ثعلب أو سنور أو غزال أو خنزير، وما أشبهها، نزح منها أربعون دلوا. وقد روي أنه إذا وقع فيها
Page 6
كلب وخرج منها حيا. نزح منه سبع دلاء. فإن مات فيها حمامة، أو دجاجة وما أشبهها، نزح منها سبع دلاء. فإن ماتت فيها فأرة، نزح منها ثلاثة دلاء إذا لم تتفسخ. فإن تفسخت، نزح منها سبع دلاء. فإن مات فيها عصفور وما أشبهه، نزح منها دلو واحد. وإذا بال فيها رجل، نزح منها أربعون دلوا. فإن بال فيها صبي، نزح منها سبع دلاء. فإن كان رضيعا لم يأكل الطعام، نزح منها دلو واحد، فإن وقعت فيها عذرة وكانت رطبة، نزح منها خمسون دلوا. وإن كانت يابسة، نزح منها عشر دلاء. فإن وقع فيها حية أو وزغة أو عقرب فماتت فيها، نزح منها ثلاث دلاء. وإن ارتمس فيها جنب، نزح منها سبع دلاء. فإن وقع فيها دم وكان كثيرا، نزح منها خمسون دلوا. وإن كان قليلا، نزح منها عشر دلاء.
وكل ما أكل لحمه من الحيوان والبهائم والطيور، فإنه لا بأس بروثه وذرقه، إذا وقع في الماء، إلا ذرق الدجاج خاصة، فإنه إذا وقع في البئر، وجب نزح خمس دلاء منها. ومتى وقع شئ من النجاسة في البئر، أو مات فيها شئ من الحيوان، فغير لونه أو طعمه أو رائحته، وجب نزح جميع ما فيها من الماء.
فإن تعذر ذلك، نزح منها إلى أن يرجع إلى حال الطهارة.
وهذه المياه التي ذكرناها، متى لحقها حكم النجاسة، فلا يجوز استعمالها في الوضوء والغسل معا، ولا غسل الثوب ولا
Page 7
في إزالة النجاسة، ولا في الشرب. فمن استعملها في الوضوء أو الغسل أو غسل الثوب ثم صلى بذلك الوضوء وفي تلك الثياب، وجب عليه إعادة الوضوء والغسل وغسل الثوب بماء طاهر وإعادة الصلاة، سواء كان عالما في حال استعماله لها أو لم يكن، إذا كان قد سبقه العلم بحصول النجاسة فيها. فإن لم يتيقن حصول النجاسة فيها قبل استعمالها، لم يجب عليه إعادة الصلاة، ووجب عليه ترك استعمالها في المستقبل، اللهم إلا أن يكون الوقت باقيا، فإنه يجب عليه غسل الثوب وإعادة الوضوء وإعادة الصلاة. فإن كان قد مضى الوقت لم يجب عليه إعادة الصلاة.
فإن استعمل شئ من هذه المياه النجسة في عجين يعجن به ويخبز، لم يكن به بأس بأكل ذلك الخبز، لأن النار قد طهرته.
ولا بأس باستعمال هذه المياه في الشرب عند الضرورة إليها، ولا يجوز ذلك مع الاختيار.
ومتى لم يجد الإنسان لطهوره سوى هذه المياه النجسة، فليتيمم ويصل ولا يتوضأ بذلك الماء.
ومتى حصل الإنسان عند غدير أو قليب ولم يكن معه ما يعرف به الماء لوضوءه، فليدخل يده فيه ويأخذ منه ما يحتاج إليه، وليس عليه شئ. فإذا أراد الغسل للجنابة، وخاف إن نزل إليها فساد الماء، فليرش عن يمينه ويساره وأمامه وخلفه،
Page 8
ثم ليأخذ كفا كفا من الماء فليغتسل به.
ويستحب أن يكون بين البئر التي يستقى منها وبين البالوعة سبعة أذرع، إذا كانت البئر تحت البالوعة وكانت الأرض سهلة، وخمسة أذرع إذا كانت فوقها. وإن كانت الأرض صلبة، فليكن بينها وبين البئر خمسة أذرع من جميع جوانبها.
ويكره استعمال الماء الذي أسخنته الشمس في الأواني في الوضوء والغسل من الجنابة. ولا بأس بالوضوء أو الغسل من العيون الحمية، ولا بأس أيضا بالشرب منها، ويكره التداوي بها.
باب آداب الحدث وكيفية الطهارة إذا أردنا أن نبين كيفية الطهارة، فالواجب أن نبين آداب ما يتقدمها من الأحداث، ثم نتبعها بذكر كيفيتها وترتيبها وأحكامها.
فإذا أراد الإنسان الحدث، فليستتر عن الناس بحيث لا يراه أحد. وإذا أراد الدخول إلى المكان الذي يتخلى فيه، فليدخل رجله اليسرى قبل اليمنى، فليقل: " بسم الله وبالله، أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم "، وليغط رأسه، فإذا أراد القعود لحاجته، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، إلا أن يكون الموضع مبينا على وجه لا يتمكن
Page 9
فيه من الانحراف عن القبلة. ولا يستقبل الشمس ولا القمر ولا يستقبل الريح بالبول. ولا يتغوط على شطوط الأنهار، ولا في المياه الجارية ولا الراكدة. ولا يبولن فيهما. فإن بال في المياه الجارية أو تغوط فيها، لم يفسد ذلك الماء. ولا يتغوط أيضا في أفنية الدور، ولا تحت الأشجار المثمرة، ولا مواضع اللعن، ولا فئ النزال، ولا المواضع التي يتأذى المسلمون بحصول النجاسة فيها. ولا يطمح ببوله في الهواء. ولا يبولن في جحرة الحيوان، ولا في الأرض الصلبة. وليطلب موضعا مرتفعا من الأرض يجلس عليه.
فإذا فرغ من حاجته وأراد الاستنجاء فليستنج فرضا واجبا.
ويجزيه أن يستنجي بثلاثة أحجار إذا نقي الموضع بها. فإن لم ينق بها، زاد عليها. فإن نقي بواحدة، استعمل الثلاثة سنة.
ولا يستعمل الأحجار التي استعملت في الاستنجاء مرة أخرى، ولا يستنج بالعظم ولا بالروث. ويجوز استعمال الخزف بدلا من الأحجار.
وإن استعمل الماء بدلا من الأحجار كان أفضل. فإن جمع بينهما، كان أفضل من الاقتصار على واحد منهما.
فإذا استنجى بالماء، فليغسل موضع النجو إلى أن ينقي ما هناك. وليس لما يستعمل من الماء حد محدود.
فإذا فرغ من غسل موضع النجو وأراد غسل الإحليل، فليمسح بإصبعه من عند مخرج النجو إلى أصل القضيب ثلاث مرات،
Page 10