674

كما إذا قال : «أكرم العلماء ، وجالس الفقراء ، واحترم الشيبة إلا الفساق منهم» ولعله هو محل الكلام بين الأعلام.

فنقول : تارة يكون العموم بالوضع ، وأخرى بقرينة الحكمة ، فإن كان بالوضع ، فلا ريب في عدم رجوع الاستثناء إلى الجميع ، بل يرجع إلى الأخيرة ، فإنه المسلم والمتيقن. وأما رجوعه إلى غيرها فهو وإن كان ممكنا بحسب مقام الثبوت والواقع إلا أنه بحسب مقام الإثبات والدلالة لا وجه له ، فإن العام بمقتضى تعهد المتكلم بأنه متى أتى بلفظ «العلماء» مثلا أراد منه إسراء الحكم إلى كل فرد من أفراد العالم يدل على العموم وظاهر فيه ما لم ينصب المتكلم قرينة ظاهرة بحسب الفهم العرفي على خلافه ، والاستثناء قرينيته للأخيرة مسلمة ، وأما بالنسبة إلى غيرها فلا ظهور له عرفا في ذلك ، وما لا ظهور له عرفا في كونه قرينة صارفة لظهور الكلام لا يمكن ولا يصلح لأن يتكل عليه المتكلم في مقام المحاورة ، فلا يرفع اليد عن ظهور العام في العموم.

وبعبارة أخرى : مورد احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية ، الموجب للإجمال هو ما كان أصل القرينية شيئا محرزا ، وكان الشك في جهة إجمال القرينة ، كما في المخصص المجمل المتصل ، فإنه يوجب إجمال العام ، لكونه قرينة عرفية على عدم إرادة العموم من العام ، فهو صالح لأن يتكل عليه المتكلم ، لا ما كان الشك في أصل وجود القرينة ، كما في المقام.

وبهذا يظهر حكم ما كان العموم مستفادا من قرينة الحكمة ، فإن الإطلاق باق على حاله بعد تمامية مقدمات الحكمة ما لم ينصب المتكلم قرينة ظاهرة عرفية على الخلاف ، وقد عرفت عدم صلاحية الاستثناء المتعقب للجمل للقرينية ، غاية الأمر أن هذا الظهور مما كان بالوضع ، فاتضح أن الاستثناء ظاهر في رجوعه إلى الأخيرة بحسب المتفاهم العرفي ، ولا وجه لرجوعه إلى غيرها.

Page 372