Al-Fatāwā al-nāfiʿa li-ahl al-ʿaṣr wa-huwa mukhtaṣar fatāwā al-imām ibn taymiyya al-khamsa waʾl-thalāthīn majalladan
الفتاوى النافعة لأهل العصر وهو مختصر فتاوى الإمام ابن تيمية الخمسة والثلاثين مجلداً
Editor
حسين الجمل
Publisher
دار ابن الجوزي
Publication Year
1411 AH
Publisher Location
المملكة العربية السعودية
الفتاوى النافعة لأهل العصر
وهو مختصر فتاوى الإمام ابن تيمية الخمسة والثلاثين مجلداً
اختصار وتحقيق
حسين الجمل
دار ابن الجوزي
1
الطبعة الأولى للكتاب
دار ابن الجوزي
الدمام : شارع ابن خلدون ت : ٨٤٢٨١٤٦
2
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا . من يهده الله فلا مضلَّ له ومن يضلل فلا هادي له .
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
﴿ ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون ﴾
﴿ ياأيها الناس اتقوا ربّكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً ﴾
﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يُصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً ﴾
أما بعد .
فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهَدْىِ هَدْى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتها ، وكلّ محدثة بدعة ، وكلّ بدعة ضلالة ، وكلَّ ضلالة فى النار :
3
بسم الله الرحمن الرحيم
للفتاوى مكانة بارزة في تاريخ الإسلام، إذ هي السبيل إلى تطبيق أحكام الشريعة، وصار لكل عالم من العلماء المحققين مجموعة من الفتاوى تتضمن إجابات على سؤالات في كافة فروع الشريعة، وهي تختلف باختلاف مدارك العلماء وأنظارهم في فهم نصوص الكتاب والسنة فمنهم مستكثر ومقتصد، فوجدت فتاوى في ((الفقه))، وأخرى في ((الحديث وعلومه))، وثالثة في ((الاعتقاد)) وغير ذلك من المعارف الدينية، وكان بقاء تلك الفتاوى وانتشارها معتمداً على سببين رئيسين هما:
١_ مدى تمكن المفتى من معرفة مقاصد الشريعة.
٢_ معرفة المفتى للواقع الذي يعيش فيه.
لذا وجدت فتاوى واستمرت حتى عصرنا هذا، بينما نجد فتاوى أخرى قد اندثرت، وذلك بسبب توافر أو عدم توافر السببين المذكورين
ومن بين تلك الفتاوى التي ذاعت وانتشرت في طباق الأرض، وسار بذكرها الركبان، وكانت ولازالت معيناً لا ينضب للمتعطشين للمعرفة القائمة على صحيح المنقول وصريح المعقول، أقول من هذه الفتاوى الجديرة بالإذاعة ((فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله)) فهو العالم الرباني، مفتى الأمة، الجامع بين العلوم النقلية والعقلية، العارف بمذاهب أهل الملل والنحل، وآراء المتكلمين، ومقالات الفرق، وهو الإمام الذي أراد أن يردَّ الأمة إلى أصليها الخالدين التليدين: الكتاب والسنة، وهو الإمام الذي أراد أن يعيد إلى الأمة الإسلامية ثقتها في قيادة البشرية والإنسانية إلى الحياة والهدى والنور، وهو الإمام الذي أراد أن يزيل عن الأمة آثار التعصب المذهبي الذي
4
تمثلت آثاره في وضع أربعة محاريب في المسجد الواحد، والذي تمثل أيضاً في إقامة أربع جماعات للصلاة الواحدة، والذي تمثل في معاملة المرأة التي على مذهب مخالف لمذهب زوجها على أنها تنزل منزلة الكتابية؟! ثم زاد الأمر شدة بهجوم التتار على دار الخلافة الإسلامية من جهة الشرق، وهجوم الصليبيين على الديار الإسلامية من جهة الغرب، وساد الديار الإسلامية ظلام دامس ولم يكن المخرج من هذه الداهية إلا بالرجوع إلى العروة الوثقى، الكتاب والسنة، وتجديداً لهذه الدعوة، دعوة العودة إلى تحكيم صريح الكتاب والسنة، وطرح أقوال الرجال المخالفة لهذين المصدرين الأصليين، قام العالم العامل العارف بالله الإمام أحمد بن تيمية رحمه الله، ينادي في الأمة أن الهُدَى هو فيما جاء به الرسول الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾، وإيماناً منه بهذا المبدأ قامت فتواه على هذا الأساس الركين، وليس أدلَّ على ذلك من أن كثيراً من المصلحين والقانونيين قد اضطروا إلى الأخذ ببعض ((فتاوى)) شيخ الإسلام ابن تيمية وترك ما سواها، لأنها جاءت مبنية على صريح الكتاب وصحيح السنة، وتارة تأتي موافقة لروح الشريعة ومقاصدها، لذا فينبغي لرجال الدعوة والإرشاد والإصلاح الاجتماعي أن يعتنوا عناية خاصة بفتاوى شيخ الإسلام، ومن بشريات هذه العناية بفتاوى الإمام أن قام الشيخ عبد الرحمن بن قاسم وولده الشيخ محمد، الأستاذ في ((معهد إمام الدعوة)) في الرياض أن قاما بجمع المسائل والرسائل لشيخ الإسلام ابن تيمية المخطوط منها والمطبوع من ((المجاميع)) الموجودة بالمكتبات العامة بالدول العربية والغربية، وتم تجميع ذلك في مجلدات باسم ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية)) وتتكون من سبعة وثلاثين مجلداً، يحتل المخطوط منها أكثر من ثلث هذا المجموع، وتم ترتيب تلك المسائل والرسائل على حسب أبواب الكتب المتداولة بين العلماء والطلاب، بداية من كتاب (توحيد الألوهية) ومختتماً بكتاب
5
(الإِقرار)(١)، ومن حرص على اقتناء هذا ((السفر الجليل)) فسيعرف من هو شيخ الإسلام ابن تيمية !!
ثم إننى حينما طالعت أكثر مجلداته عزمت على اختيار بعض المسائل من هذا المجموع الضخم، التى تنفع المسلمين فى عصرهم الحاضر، والتى تشغل فكرهم، ووقع اختيارى هذا على الأسس التالية:
١_ أن تكون المسألة مما يهمُّ المسلمين فى الحاضر.
٢_ سهولة الإِجابة مع الإِيجاز غير المخلّ بالجواب.
٣_ البعد عن مسائل المنطق والسلوك والتصوف.
ثم جاءت الخطوة الثانية فى عملى هذا بعد اختيارى السابق على النحو الآتى:
١_ ترقيم الأسئلة مع ذكر موضع المسألة فى الأصل وهو ((مجموع الفتاوى)) لمن أراد أن يتعرّف على السؤال، فمثلاً سؤال رقم (١٦) أمامه (٣٨٥/١٣ - ٣٨٨) أى أنه بالمجلد الثالث عشر صفحة ٣٨٥ - ٣٨٨. ومجموع هذه المسائل المختارة هى (٣٣٦) فى شتى الفروع.
٢_ تخريج الآيات القرآنية فى أصل الإِجابة.
٣_ تخريج الأحاديث المذكورة فى الجواب بالهامش.
٤_ التعليق فى مواضع يسيرة.
٥_ وضع فهرس عام للمسائل الواردة هنا.
ولعلنى بهذا العمل قد قمتُ بتقريب ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية)) إلى عامة المسلمين فيما يحتاجونه من أمر دينهم، فهو يعدّ - بحق - مختصراً للكتاب الكبير والسفر الجليل ألا وهو ((مجموع الفتاوى)).
(١) انظر مقدمة (مجموع فتاوى شيخ الإسلام) الطبعة الثانية.
6
٦ - ثم إنني ألحقت هذا ((المختصر)) بثلاث فتاوى مطولة، والغرض منها هو إتاحة الفرصة للاطلاع على طريقة شيخ الإسلام في استنباط الأحكام من مصادر، من صحيح المنقول وصريح المعقول، وقد اخترت الثلاث الفتاوى من كتاب ((مجموعة الرسائل والمسائل)) لشيخ الإسلام الجزء الرابع، وعلق عليه الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله.
الأولى بعنوان: تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال (ص ٣٨ - ٨٠)
الثانية بعنوان: العبادات الشرعية، والفرق بينها وبين البدعية (٨١ - ١٠٤)
الثالثة بعنوان: قاعدة أهل السنة والجماعة في رحمة أهل البدع والمعاصي ومشاركتهم في صلاة الجماعة (١٩٧ - ٢٠٦)
وهذه الرسالة من أوضح البراهين على حرص شيخ الإسلام على وحدة الصف الإسلامي، وجمع كلمة المسلمين، والتحذير من الوقوع في ورطة التكفير، والتبديع، وقد قمتُ - ولله الحمد - بتخريج الأحاديث الواردة في الرسالتين الأولى والثانية، وقام الأخ الفاضل أبو المنذر سامي أنور بتخريج الرسالة الثالثة والتعليق عليها.
والله سبحانه وتعالى أسأل أن يجعل عملنا هذا صالحاً، ولوجهه تعالى خالصاً، والله ولي التوفيق.
وكتب/ حسين إسماعيل الجمل
الإسماعيلية / العاشر من محرم الحرام ١٤١٠ هـ
١٩٨٩/٨/١١ م
7
بسم الله الرحمن الرحيم
● تعريف الفتوى في لسان العرب: (فتا)
ويقال: أفتيتُ فلاناً رؤيا رآها، إذا عبّرتُها له، وأفتيتُهُ في مسألته إذا أجبته عنها، وفي الحديث: أن قوماً تفاتوا إليه، معناه تحاكموا إليه وارتفعوا إليه في الفتيا. ويقال: أفتاه في المسألة يُفتيه إذا أجابه، والاسم الفتوى، ولْفتاه في الأمر: أبانه له.
● تعريف الفتوى اصطلاحاً:
هي الإخبار بحكم الله تعالى في واقعة من الوقائع.
● خطر الفتوى وذم من سارع فيها:
قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركتُ عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المسجد فما كان منهم محدث إلا وَدَّ أن أخاه قد كفاه الحديث، ولا مفتٍ إلا وَدَّ أن أخاه كفاه الفتيا.
وقال ابن عباس: إن من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه لمجنون.
وقال ابن عيينة: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً.
وقال حذيفة: إنما يفتى الناس أحد ثلاثة: رجل يعلم ناسخ القرآن ومنسوخه، وأمير لا يجد بُداً، وأحمق متكلف.
ولما كان المفتي هو المخبر عن الله تعالى لمعرفته بالدليل، عَظُمَ أمر الفتوى، وقلَّ أهلها، ومن يخاف إنمها وخطرها، ولكن تجاسر عليها الحمقى والجهال، ورضوا فيها بالقيل والقال، وغرهم قلة الإنكار عليهم والملامة. لذا فقد قرر العلماء بأن الفتوى تحرم على الجاهل بصواب الجواب.
8
يقول الإِمام ابن حمدان - رحمه الله - في كتابه «صفة الفتوى» (ص ١٢):
((فمن أقدم على ما ليس له أهلاً من فتيا أو قضاء أو تدريس أثم، فإن أكثر منه وأصر واستمر فسق، ولم يحل قبول قوله ولا فتياه ولا قضائه، هذا حكم دين الإِسلام. والسلام)).
صفة المفتى وشروطه:
من صفته أن يكون مسلماً مكلَّفاً لأنه يخبر عن الله تعالى بحكمه فاعتبر إسلامه وتكليفه.
وأن يكون عدلاً، والعدل هو من استمر على فعل الواجب والمندوب من الأحكام، مع تركه الحرام والمكروه من المناهي الشرعية، والتزام الصدق واجتناب الكذب، فليس بعدل من قال في دين الله تعالى بغير علم، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [سورة النحل: الآية ١١٧].
قال السيوطي في الدر المنثور (١٣٤/٤) في تفسير هذه الآية:
«وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نضرة قال: قرأت هذه الآية في سورة النحل فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا».
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: عسى رجل أن يقول: إن الله أمر بكذا ونهى عن كذا فيقول الله عز وجل له: كذبت. ويقول إن الله حرم كذا وأحل كذا فيقول الله عز وجل له: كذبت». اهـ.
وأن يكون فقيهاً: وهو من له أهلية تمكنه أن يعرف الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية التفصيلية، مستنداً في حكمه بالدليل مع علمه بقواعد وقوانين علم أصول الفقه.
وأن يكون مجتهداً: والاجتهاد هو بذل الجهد والطاقة في طلب الحكم الشرعي بدليله فكل فقيه على الحقيقة مجتهد.
9
فمن أفتى وليس على صفة من الصفات المذكورة من غير ضرورة فهو عاصٍ آثم، لأنه لا يعرف الصواب وضده، ولكن من تفقّه وقرأ كتباً في الفقه وهو قاصر عن رتبة المفتين المذكورين المجتهدين، فللعامي أن يسأله إذا لم يجد غيره في بلده، أو قريباً منه، فيذكر مسألته للقاصر المذكور فإن وجدها مسطورة في كتب الفقه أفتاه بما هو مسطور فيصير القاصر حاكياً للفقه، وإن لم يجدها فليس له أن يقيسها على ما عنده مسطوراً في كتب الفقه.
* هل يجوز لمن يملك كتب الحديث أن يفتى؟
اختلفت أقوال أهل العلم فيمن كان عنده الصحيحان أو أحدهما أو كتاب من سنن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كسنن أبي داود والترمذي وغيرهما، فهل له أن يفتى بما يجده فيه؟
اختلفوا على ثلاثة أقوال:
* رأي المانعين:
قالت طائفة: ليس له ذلك لأنه قد يكون منسوخاً، أو له معارض، أو يكون أمر ندب فيفهم منه الإيجاب، أو يكون عاماً له مخصص، أو مطلقاً له مقيد، أو يفهم من دلالته خلاف ما يدل عليه، فلا يجوز له العمل ولا الفتيا بما في كتب الحديث حتى يسأل أهل الفقه والفتيا، وأيضاً قد لا يكون له تمييز بين صحيح الحديث وسقيمه - فيما عدا الصحيحين - فلا يستطيع أن يكون على بصيرة من أمره.
* رأي المجوزين:
وقالت طائفة: بل له أن يعمل بما صحَّ من الحديث ويفتى به، بل ويتعين عليه كما كان الصحابة يفعلون إذا بلغهم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بادروا إلى العمل به من غير توقف ولا بحث عن معارض.
* والرأي الصواب في ذلك:
قال الإمام ابن القيم في كتابه ((إعلام الموقعين)) (٢٣٥/٤):
10