"العادة لا تثبت بمرة" ومعلوم أن التمييز لا يزيد عليه، وليكن قوله: "حيضها خمسًا" معلَّمًا بالواو؛ إشارة إلى الوجه الذي تقدم.
قال الغزالي: الثَّانِي قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ (م) في أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضٌ (ح) وَهُوَ كَذَلِكَ فِي أَيَّامِ الْعَادَةِ، وَفِيمَا وَرَاءَهَا إِلَى تَمَامِ الْخَمْسَةِ عَشَرَ ثَلاَثةُ أَوْجَهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ حَيْضٌ كَأيَّامِ العَادَةِ، وَالثَّانِى: لاَ لِضَعْفِ اللَّوْنِ، وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ مَسْبُوقًا بِدَمٍ قَوِيٍّ وَلَوْ لَطْخَةً فيَكُونَ حَيْضًا وَإِلاَّ فَلاَ، وَمَرَدُّ المُبْتَدَأَةِ كَأيَّامِ العَادَةِ أَوْ كَمَا وَرَاءَهَا فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: هذا الفرع لا اختصاص له بل معظم فائدته فيما إذا لم يعبر الدم الأكثر كما سيأتي، والصفرة: شيء كالصديد يعلوه اصفرار، والكدرة: شيء كدر [وليسا] على ألوان الدماء، ولا خلاف في كونهما حيضاَ في أيام العادة؛ لأن الوقوع في أيام العادة يغلب على الظن يكون الأذى الموجود فيه الحيض المعهود، وفيما وراء أيام العادة أربعة أوجه:
أظهرها: أنَّ لهما حكم الحيض أيضًا، لقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (١). والصفرة والكدرة أذى، ولما روي عن عائشة -[﵂]- قالت: "كُنَّا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالكُدْرَةَ حَيْضًا" (٢). وهذا إخبار عما عهدته في زمان الرسول ﷺ.
والثاني: ليس لهما حكم الحيض لقوله ﷺ: "دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ" (٣).
وعن أم عطية، وكانت قد بايعت النبي ﷺ قالت: "كُنَّا لاَ نَعُدَّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ شَيْئًا" (٤).
وبهذا الوجه قال الإصطخري، وينسب إلى صاحب "التَّلْخِيصِ" أيضًا، وبالأول قال ابن سريج وأبو إسحاق.
والوجه الثالث: وبه قال أبو علي الطَّبَرِيُّ: إن سبق دم قوي من سواد أو حمرة، فالصُّفرة والكدرة بعده حيض، وإلاَّ فلا.
والفرق أن الدم يبدو قويًا ثم يرق ويضعف على التدريج. ألا ترى أن الجراحة تصب دمًا قويًا، ثم يرق ويختلط بالرّطوبات، فإذا سبق دم قوي استتبع ما بعده.
(١) سورة البقرة، الآية ٢٢٢.
(٢) أخرجه البيهقي (١/ ٣٣٦) بنحوه، وقال: غريبًا.
(٣) تقدم.
(٤) أخرجه البخاري (٣٢٦) وأبو داود (٣٠٧) وابن ماجة (٦٤٧) والنسائي (١/ ١٨٦).