الْقَوْلُ فِي سُنَنِ الوُضُوءِ وَهِيَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ
قال الغزالي: أَنْ يَسْتَاكَ بِقُضْبَانِ الأَشْجَارِ عَرَضًا، وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ عِنْدَ كُلِّ صَلاَة وَعِنْدَ تَغَيُّرِ النَّكْهَةِ، وَلاَ يُكْرَهُ إلا بَعْدَ الزَّوَالِ (ح م) لِلصَّائِمِ.
قال الرافعي: عن رسول الله ﷺ أنه قال: "السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَم مَرْضَاةً لِلرَّبِ" (١) إلى أخبار كثيرة فيستحب الاستياك مطلقًا ولا يكره إلاَّ بعد الزوال للصَّائم خلافًا لأبي حنيفة ومالك وأحمد ﵏ وسنذكر تفصيل مذاهبهم في الصوم إن شاء الله تعالى. لنا أنه يزيل أثر العبادة وهو خُلُوفُ الفَم، وأنه مشهود له بِالطِّيبِ قال ﷺ: "لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيح الْمِسْكِ" (٢). وإذا كان كذلك فيكره إزالته كَدَمِ الشَّهداءِ وَإنما خص بما بعد الزوال؛ لأنه تغير الفم بسبب الصوم، وحينئذ يطهر، وفي غير هذه الحالة يطرد الاستحباب، لكنه آكَدُ في مواضع:
منها: عند الصلاة، وإن كان على الطهارة، سواء كان متغير الفم، أو لم يكن لقوله ﷺ: "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ" (٣). ومنها: عند تغيير النَّكْهَة، وذلك قد يكون للنوم، فيستحب عند الاستيقاظ الاستياك، كان النبي ﷺ: "إِذَا اسْتَيْقَظَ اسْتَّاكَ" (٤) وروى "أَنَّهُ كَانَ يَشُوصُ فَاهُ بالسِّوَاكِ" (٥) وقد يكون لطول السكوت، وقد يكون لترك الأكل، وقد يكون لأكل ماله رائحة كريهة، فَيُسْتَحَبَّ الاستياك عندها جميعًا؛ لأنها أسباب تغير الفم، فتشبه النوم. ومنها: اصْفِرَارُ الأسنان، وقد يفرض ذلك من غير تغير النَّكْهَة. ومنها: قراءة القرآن، تعظيمًا، وتطهيرًا له.
ومنها: عند الوضوء، وإن لم يصلّ في الحال: روي في بعض الروايات أنه ﷺ "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِتَأَخِيرِ الْعِشَاءِ وَالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءِ" (٦).
(١) أخرجه أحمد ٦/ ٤٧، والشافعي ٦٣، والنسائي ١/ ١٠، وابن خزيمة ١٣٥، وابن حبان ١٠٥٣، والبيهقي ١/ ٣٤، وانظر التلخيص ١/ ٦٠، ٦١.
(٢) أخرجه البخاري ١٩٠٤، ومسلم ١٦٤/ ١١٥١، (١٦٣/ ١١٥١) والخُلوف بضم الخاء لا يفتحها تغير رائحة الفم.
(٣) متفق عليه من رواية أبي هريرة.
(٤) انظر التلخيص ١/ ٦٣، ٦٤.
(٥) انظر التخريج السابق.
(٦) رواه الحاكم والبيهقي من رواية أبي هريرة ولفظهما: (لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك مع الوضوء، ولأخرت صلاة العشاء إلى نصف الليل). قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وليس له علة وقال صاحب الإمام هو في جميع طرقه: أسانيده جيدة، وإنكار ابن الصلاح، ثم النووي على الغزالي حيث روى: (ولأخرت العشاء إلى نصف الليل) مردود. انظر خلاصة البدر المنير ١/ ٣٠.