Al-ʿaqd al-farīd

العقد الفريد

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٠٤ هـ

Publisher Location

بيروت

مقدّمة المحقّق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّد المرسلين، نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، فمنذ أن فتح العرب بلاد الأندلس عام ٩٢ للهجرة نجد أن تلك الأصقاق قد شهدت نزوح كثير من القبائل العربية إليها حيث ألقت هناك عصا الترحال واستقرّ بها النّوى، ومكّنها ذلك فيما بعد من إحداث نهضة أدبية سرعان ما نمت وتطوّرت وعرفت في عصر الدولة الأموية التي أنشئت هناك على أنقاض الدولة الأموية التي انهارت في المشرق العربى تحت ضربات العباسيين، أوج ازدهارها، وقمّة عطائها، وقد ظهر في تلك الديار النائية التي لم تفقد في يوم من الأيام صلتها بالمشرق الأم، كثير من العلماء والأدباء الذين حاكوا بنتاجهم أكثر من ظهر في المشرق العربي من نتاج، والتزموا بأذواقهم الذوق الأدبي اسائد آنذاك، حتى أنّ الصاحب بن عباد بعد اطلاعه على «العقد الفريد» نراه يقول: «هذه بضاعتنا ردّت إلينا»، ومن هؤلاء الأدباء الكثر، صاحب العقد أبو عمر شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد ربه بن حبيب بن حدير بن سالم القرطبي، الذي كان مولى هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان.
ولد الرجل في مدينة قرطبة في العاشر من شهر رمضان سنة ٢٤٦ هـ- الموافق للتاسع والعشرين من تشريع الثاني سنة ٨٦٠ م. وقرطبة حيث ولد ابن عبد ربّه من أعظم المدن الأندلسيّة، وكانت عظيمة الشبه بمدينة بغداد حاضرة العباسيين، وعنها يقول المقّري صاحب نفح الطيب: «يحكى أنّ العمارة في مباني قرطبة والزاهرة والزهراء اتصلت إلى أنه كان يمشى فيها بضوء لمن قطف بيده ما يمنحونه منه، ونهرها
€

المقدمة / 1

إن صغر عندها عن عظمه عند اشبيلية فإنّ لتقارب برّيه هنا لك، وتقطّع غدره ومروجه معنى آخر، وحلاوة أخرى، وزيادة أنس، وكثرة آمان من الغرق، وفي جوانبه من البساتين والمروج ما زاده نضارة وبهجة.
في هذه البيئة المليئة بالعطر والورود والأفياء نشأ صاحب العقد، وأمضى سحابة شبابه مستمتعا بطبيعة بلاده وأجوائها المساعدة على النظم واللهو والغناء، ولذا فقد أولع الرجل بسماع الغناء والطرب اللذين شاعا في المدن الأندلسيّة أيّما شيوع، حتّى أصبحت بلاطات الأمراء مسارح للمغنّيات والقيان اللواتي كنّ يفدن إلى هناك من مختلف الأقطار العربية في بداية الأمر كالجارية العجفاء، وقد استأثرت قرطبة باستقبال روّاد هذا الفن، ثم انتقل مركز الغناء إلى اشبيلية حتى ظنّ أنّها عاصمة هذا الفنّ. وتفرّدت قرطبة بالعلم والفقه، وأصبحت عاصمة الأدب وحاضنة علوم الدين.
وكان طبيعيّا أن يتأثر أديبنا بطبيعة بلاده، ويساير تلك الموجة العارمة من الطرب واللهو والعبث والمجون، فشرب الخمرة، وطرب لسماع الأصوات العذبة، وهذا ما يمكننا أن نستشفّه من خلال شعره المبثوث في ثنايا عقده. ومن الواضح أنّ الرجل قد تاب عن غيّه وعاد إلى رشده خلال العقد الرابع من عمره، فطرق باب الفقه، وتتلمذ على شيوخ عدة نذكر منهم الخشني، وابن وضاح، وبقي بن مخلد، وفي تلك الحقبة من الزمن كانت دراسة الفقه مدخلا وممهدا لتسلّم المراكز الرفيعة، فامتلأت المدن الأندلسية التي خضعت للحكم العربي وخاصة قرطبة بالعلماء والأدباء والفقهاء..
ويظهر أنّ صاحب العقد كان على صلة مع أمراء عصره، فقد مدح أمير قرطبة محمد بن عبد الرحمن الحكم، كما كان على صلة بابنه المنذر أيضا، وفي هذه الحقبة من تاريخ الأندلس كثرت الفتن، حتى أن أحد قوّاد الفتنة، عمر بن حفصون، قد هدّد السلطة الأمويّة، وقد نعته ابن عبد ربه، بالمارق الفاسق..
واتصل صاحب العقد كذلك بالقائد العربي ابراهيم بن الحجاج الذي جعل أمارته في أشبيلية، وكان كريما سخيّا على الأدباء والشعراء، فوفد إلى بلاطه معظم علماء الأندلس وشعرائها.
€

المقدمة / 2

وأقام الرجل كذلك علاقات طيبة مع عبد الرحمن بن محمد الملقّب بالملك الناصر، الذي بنى مدينة الزهراء، ومدحه بقصائد كثيرة منها قصيدته الرائعة التي أدرجها في المجلد الثالث من العقد. وابن عبد ربه الذي يقول فيه الثعالبي النيسابوري صاحب يتيمة الدهر إنّه «أحد محاسن الأندلس علما وفضلا وأدبا ومثلا، وشعره في نهاية الجزالة والحلاوة، وعليه رونق البلاغة والطلاوة» أصيب آخر أعوامه بالفالج، كما أصيب الجاحظ من قبله، وأبو الفرج الأصبهاني من بعده، وتوفي يوم الأحد لثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادي الأولى سنة ٣٢٨ هجرية وهو ابن إحدى وثمانين سنة وثمانية أشهر وثمانية أيّام ودفن في اليوم التالي لوفاته ...
هذه لمحة موجزة عن حياة الرجل، أما عن أعماله الأدبية فقد كان «العقد» أكثر كتبه شهرة، وقد تحدّث نفسه عن تسميته بهذا الاسم فقال: «وسمّيته كتاب العقد الفريد لما فيه من مختلف جواهر الكلام، مع دقة المسلك وحسن النظام» وقد اعتمد كما لاحظنا في تأليفه واختياره لموضوعاته وأخباره على مصادر كثيرة، منها ما هو ديني كالقرآن والانجيل والتوراة، والحديث النبويّ الشّريف، ومنها ما هو أدبيّ وتاريخيّ، كعيون الأخبار، والمعارف لابن قتيبة، والحيوان، والبخلاء، والبيان والتبيين، للجاحظ، والكامل للمبرّد وكليلة ودمنة والأدب الكبير والصغير لابن المقفّع، والأمالي لأبي عليّ القالي، ودواوين كثيرة لشعراء جاهليين وإسلاميين، وغير ذلك من الكتب التي تناولتها يداه ...
وقد قسّم الرجل كتابه إلى فنون عديدة، وضمّنه خمسة وعشرين كتابا انفرد كلّ كتاب منها باسم جوهرة من جواهر العقد «بحيث يقع على كلّ من جانبي واسطة العقد، اثنتا عشرة جوهرة، كلّ منها سمّيت باسم التي تقابلها من الجانب الآخر، وبذلك تكون أولى جواهر العقد وآخره على اسم واحد، ففي العقد لؤلؤتان وزبرجدتان وياقوتتان وجمانتان وهلمّ جرّا» وقد أشار ابن عبد ربّه في مقدمة كتابه إلى ذلك فقال: «وجزّأته على خمسة وعشرين كتابا كلّ كتاب منها جزآن، فتلك خمسون جزءا في خمسة وعشرين كتابا» .
€

المقدمة / 3

أمّا الموضوعات التيّ تناولها العقد، فقد تنوّعت وتوزّعت بين السياسة والسلطات، والحروب ومدار أمرها، والأمثال والمواعظ، والتّعازي والمراثي وكلام الأعراب وخطبهم وأنسابهم وعلومهم وأدابهم وأيّامهم واخبار مشهوريهم من الخلفاء والقادة، هذا فضلا عن تضمينه كتابه كثيرا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وكثيرا من الأشعار والأخبار التاريخية، وإثباته لنفسه كثيرا من القصائد التي وردت على شكل معارضات لشعر كبار الشعراء في الموضوعات التي استشهد بأشعارهم عليها.
وقد صاغ صاحب العقد موضوعاته وما تضمّنها من معلومات بأسلوب أدبيّ، واضح بحيث نراه يهذّب كلّ ما جمعه، ويصفّيه من الأسانيد التاريخية لأنّ غايته من تأليف كتابه كانت أدبيّة بحتة، هذا ونلاحظ في كتابه ميلا إلى الفكاهة والدّعابة، ونزوعا إلى القصص والنّوادر والنكات، فنراه في كتابه يذكر الكثير من ذلك أو لا يستنكف عن ذكر بذيء اللفظ وسافل المعنى، ورغم كلّ ذلك فإنّ المسحة الأدبيّة تبدو قويّة في كتابه بحيث يشعر بها كلّ من يقرأ العقد أو يتصفّحه فقد أراد الرجل أن يكون كتابه «مجموعة من متخيّر الآداب ومحصول جوامع البيان» وقد وفّق إلى ذلك وسبق الكثيرين ممّن ألفّوا على شاكلة كتابه، وامتاز على غيره بالوضوح والسهولة وحسن الترتيب والتنسيق حتى غدا كتابه كلّا متماسكا وسفرا جامعا لأكثر علوم عصره إن لم نقل كلّها، هذا وقد تضمّن العقد «ما لا يقل» عن عشرة آلاف بيت من الشعر لأكثر من مئتي شاعر من العصر الجاهلي والأموي والعباسي، وربّما يصعب أن نذكر شاعرا معروفا لا نرى عنه خبرا أو نتفا من شعره، استشهد بها ابن عبد ربه لمناسبة ما فضلا عن تخصيصه كتابا لأعاريض الشعر وعلل القوافي، كما تضمّن العقد خطبا كثيرة ورسائل عديدة لكثير من الأدباء والمتراسلين..
كذلك فإنّ في العقد فصولا نقدية قيّمة نقلها من الكتب السابقة لكتابه ويجدر بمن يتعاطى مهنة الأدب أن يطلع عليها للإفادة منها، كما أن فيه فصولا دينية قيّمة، فقد ذكرنا من قبل أنّ الرجل كان فقيها، فلا غرو إذا ظهرت في كتابه الثقافة الدينية بمختلف فروعها، ونستطيع في هذا المجال أن نلاحظ أخبار كثير من الائمة الذين تقدّموه كما نلاحظ كثيرا من أقوالهم وأحكامهم وفتاويهم في بعض المسائل.
€

المقدمة / 4

بعد هذا العرض الموجز لما تضمّن العقد من مادة غنيّة ومتنوعة، نستطيع القول:
إنّ العقد كتاب عظيم النفع جليل القيمة، وافر المعلومات واسع الأفق، بحيث نراه يتحوّل بجهد صاحبه إلى سفر موسوعيّ ضخم يتضمّن كثيرا من المعارف والعلوم والآداب، التي رتبها ابن عبد ربه ونسّقها بحيث غدت متّصلة العرى متآلفة الموضوعات متماسكة الحلقات، تشهد للرجل بحسن البراعة والاختيار، كما تشهد له بالعلم والمعرفة وسعة الاطلاع، فالرجل في مصنّفه لم يكن مجرّد ناقل ومبوّب، بل كان صاحب رأي وصاحب ذوق يطلان في كثير من الآماكن بشكل واضح وجلّي، فضلا عن كونه شاعرا بارعا قويّ الديباجة، سلس الأسلوب دقيق المعاني، ولكن مع ميل إلى تقليد المشارقة، والعمل على محاكاتهم وإظهار التفوّق عليهم في أغلب الأحيان.
وهكذا فإنّ العقد بجواهره النفيسة التي تشعّ كثيرا من الأصواء والمعارف، كتاب ينبغي الاقتناء له والاستفادة من ألقه الرائع بين السطور والكلمات.
والله من وراء القصد.
د. مفيد محمد قميحة

المقدمة / 5

الجزء الأول
[مقدمة المؤلف]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ربّ يسّر وأعن قال أبو عمرو أحمد بن عبد ربّه الأندلسيّ، ﵀]:
الحمد لله الأوّل بلا ابتداء، الآخر بلا انتهاء؛ المنفرد بقدرته، المتعالي في سلطانه؛ الذي لا تحويه الجهات ولا تنعته الصّفات؛ ولا تدركه العيون، ولا تبلغه الظنّون؛ الباديء بالإحسان، العائد بالامتنان؛ الدالّ على بقائه بفناء خلقه، وعلى قدرته بعجز كلّ شيء سواه؛ المغتفر إساءة المذنب بعفوه، وجهل المسيء بحمله؛ الذي جعل معرفته اضطرارا، وعبادته اختيارا؛ وخلق الخلق من [بين] ناطق معترف بوحدانيّته، وصامت متخشّع لربوبيّته؛ لا يخرج شيء عن قدرته، ولا يعزب «١» عن رؤيته؛ الذي قرن بالفضل رحمته، وبالعدل عذابه؛ فالناس مدينون بين فضله وعدله، آذنون بالزّوال، آخذون في الانتقال؛ من دار بلاء، إلى دار جزاء.
أحمده على حلمه بعد علمه، وعلى عفوه بعد قدرته؛ فإنّه رضي الحمد ثمنا لجزيل نعمائه، وجليل آلائه «٢»؛ وجعله مفتاح رحمته، وكفاء نعمته، وآخر دعوى أهل جنّته، بقوله جلّ وعزّ: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
«٣»

1 / 3

وصلّى الله على [سيّدنا محمّد] النبيّ المكرّم، الشافع المقرّب، الذي بعث آخرا واصطفي أوّلا، وجعلنا من أهل طاعته، وعتقاء شفاعته.
وبعد: فإنّ أهل كلّ طبقة، وجهابذة «١» كلّ أمّة؛ قد تكلّموا في الأدب وتفلسفوا في العلوم على كلّ لسان، ومع كلّ زمان؛ وإنّ كلّ متكلّم منهم قد استفرغ غايته وبذل مجهوده في اختصار بديع معاني المتقدّمين، واختيار جواهر ألفاظ السالفين؛ وأكثروا في ذلك حتى احتاج المختصر منها إلى اختصار، والمتخيّر إلى اختيار.
ثم إني رأيت آخر كلّ طبقة، وواضعي كلّ حكمة ومؤلّفي كل أدب، أعذب ألفاظا وأسهل بنية وأحكم مذهبا وأوضح طريقة من الأوّل، لأنه ناكص متعقّب «٢»، والأوّل باديء متقدّم.
فلينظر الناظر إلى الأوضاع المحكمة والكتب المترجمة بعين إنصاف، ثم يجعل عقله حكما عادلا [وفيصلا] قاطعا؛ فعند ذلك يعلم أنها شجرة باسقة الفرع، طيّبة المنبت، زكيّة التّربة، يانعة الثّمرة. فمن أخذ بنصيبه منها كان على إرث من النّبوّة، ومنهاج من الحكمة؛ لا يستوحش صاحبه، ولا يضلّ من تمسّك به.
وقد ألّفت هذا الكتاب وتخيّرت جواهره من متخيّر جواهر الآداب ومحصول جوامع البيان، فكان جوهر الجوهر ولباب الّلباب؛ وإنّما لي فيه تأليف [الأخبار، وفضل] الاختيار، وحسن الاختصار، وفرش في صدر كلّ كتاب؛ وما سواه فمأخوذ من أفواه العلماء، ومأثور عن الحكماء والأدباء. واختيار الكلام أصعب من تأليفه. وقد قالوا: اختيار الرجل وافد عقله «٣» . وقال الشاعر:
قد عرفناك باختيارك إذ كا ... ن دليلا على الّلبيب اختياره

1 / 4

وقال أفلاطون: عقول الناس مدوّنة في أطراف أقلامهم، وظاهرة في حسن اختيارهم.
فتطلّبت نظائر الكلام وأشكال المعاني وجواهر الحكم وضروب الأدب ونوادر الأمثال، ثم قرنت كلّ جنس منها إلى جنسه، فجعلته بابا على حدته؛ ليستدلّ الطالب للخبر على موضعه من الكتاب، ونظيره في كلّ باب.
وقصدت من جملة الأخبار وفنون الآثار أشرفها جوهرا، وأظهرها رونقا، وألطفها معنى، وأجزلها لفظا، وأحسنها ديباجة، وأكثرها طلاوة وحلاوة؛ آخذا بقول الله ﵎: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ
«١» .
وقال يحيى بن خالد: الناس يكتبون أحسن ما يسمعون، ويحفظون أحسن ما يكتبون: ويتحدّثون بأحسن ما يحفظون.
وقال ابن سيرين: العلم أكثر من أن يحاط به فخذوا من كلّ شيء أحسنه.
وفيما بين ذلك سقط الرأي، وزلل القول؛ ولكلّ عالم هفوة [ولكلّ جواد كبوة]، ولكل صارم «٢» نبوة.
وفي بعض الكتب: انفرد الله تعالى بالكمال، ولم يبرأ أحد من النّقصان.
وقيل للعتّابي: هل تعلم أحدا لا عيب فيه؟ قال: إنّ الذي لا عيب فيه لا يموت [أبدا]، ولا سبيل إلى السّلامة من ألسنة العامّة.
وقال العتّابي: من قرض شعرا أو وضع كتابا فقد استهدف للخصوم واستشرف للألسن، إلا عند من نظر فيه بعين العدل، وحكم بغير الهوى، وقليل ما هم.
وحذفت الأسانيد من أكثر الأخبار طلبا للاستخفاف والإيجاز، وهربا من

1 / 5

التثقيل والتّطويل؛ لأنها أخبار ممتعة وحكم ونوادر، لا ينفعها الإسناد باتّصاله، ولا يضرّها ما حذف منها.
وقد كان بعضهم يحذف أسانيد الحديث من سنّة متّبعة، وشريعة مفروضة؛ فكيف لا نحذفه من نادرة شاردة، ومثل سائر، وخبر مستطرف، [وحديث يذهب نوره إذا طال وكثر] .
سأل حفص بن غياث الأعمش عن إسناد حديث. فأخذ بحلقه وأسنده إلى حائط وقال: هذا إسناده! وحدّث ابن السّمّاك بحديث، فقيل له: ما إسناده؟ فقال: هو من المرسلات عرفا «١» .
[وروى الأصمعيّ خبرا، فسئل عن إسناده. فقال: هو من الآيات المحكمات التي لا تحتاج إلى دليل وحجّة] .
وحدّث الحسن البصريّ بحديث، فقيل له: يا أبا سعيد، عمّن؟ قال: وما تصنع بعمّن يا بن أخي؟ أمّا أنت فنالتك موعظته، وقامت عليك حجّته.
وقد نظرت في بعض الكتب الموضوعة فوجدتها غير متصرّفة في فنون الأخبار، ولا جامعة لجمل الآثار؛ فجعلت هذا الكتاب كافيا [شافيا] جامعا لأكثر المعاني التي تجري على أفواه العامّة والخاصّة. وتدور على ألسنة الملوك والسّوقة. وحلّيت كلّ كتاب منها بشواهد من الشّعر، تجانس الاخبار في معانيها، وتوافقها في مذاهبها؛ وقرنت بها غرائب من شعري، ليعلم الناظر في كتابنا هذا أن لمغربنا على قاصيته «٢»، وبلدنا على انقطاعه، حظّا من المنظوم والمنثور.

1 / 6

وسمّيته كتاب (العقد الفريد) لما فيه من مختلف جواهر الكلام، مع دقة السّلك وحسن النّظام؛ وجزّاته على خمسة وعشرين كتابا، كل كتاب منها جزآن، فتلك خمسون جزءا في خمسة وعشرين كتابا [و] قد انفرد كلّ كتاب منها باسم جوهرة من جواهر العقد، فأوّلها:
كتاب اللؤلؤة في السلطان.
ثم كتاب الفريدة في الحروب [ومدار أمرها] .
ثم كتاب الزّبر جدة في الأجواد والأصفاد.
ثم كتاب الجمانة في الوفود.
ثم كتاب المرجانة في مخاطبة الملوك.
ثم كتاب الياقوتة في العلم والأدب.
ثم كتاب الجوهرة في الأمثال.
ثم كتاب الزّمردة في المواعظ والزّهد.
ثم كتاب الدّرّة في التعازي والمراثي.
ثم كتاب اليتيمة في النسب [وفضائل العرب] .
ثم كتاب المسجدة في كلام الأعراب.
ثم كتاب المجنّبة في الأجوبة.
ثم كتاب الواسطة في الخطب.
ثم كتاب المجنّبة الثانية في التّوقيعات والفصول والصّدور وأخبار الكتبة.
ثم كتاب المسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم وأيامهم.
ثم كتاب اليتيمة الثانية في أخبار زياد والحجّاج [والطالبيّين والبرامكة] .
ثم كتاب الدرة الثانية في أيام العرب ووقائعهم.
ثم كتاب الزّمرّدة الثانية في فضائل الشّعر ومقاطعه ومخارجه.
ثم كتاب الجوهرة الثانية في أعاريض الشّعر وعلل القوافي.

1 / 7