456

Aḥkām al-Qurʾān li-Ibn al-ʿArabī

أحكام القرآن لابن العربي

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الثالثة

Publication Year

١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م

Publisher Location

بيروت - لبنان

مِنْ اللَّاءِ لَمْ يَحْجُجْنَ يَبْغِينَ حِسْبَةً ... وَلَكِنْ لِيَقْتُلْنَ الْبَرِيءَ الْمُغَفَّلَا
[مَسْأَلَةٌ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى الْفَاحِشَةُ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ [النساء: ١٥] هِيَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ تَعْظُمُ كَرَاهِيَتُهُ فِي النُّفُوسِ، وَيَقْبُحُ ذِكْرُهُ فِي الْأَلْسِنَةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْغَايَةَ فِي جِنْسِهِ، وَذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِشَهْوَةِ الْفَرْجِ إذَا اُقْتُضِيَتْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ شَرْعًا أَوْ الْمُجْتَنَبِ عَادَةً، وَذَلِكَ يَكُونُ فِي الزِّنَا إجْمَاعًا، وَفِي اللِّوَاطِ بِاخْتِلَافٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ اللِّوَاطَ فَاحِشَةٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ سَمَّاهُ بِهِ عَلَى مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[مَسْأَلَةٌ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ]
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ [النساء: ١٥] يُقَالُ: أَتَيْت مَقْصُورًا؛ أَيْ جِئْت، وَعَبَّرَ عَنْ الْفِعْلِ وَالْعَمَلِ بِالْمَجِيءِ؛ لِأَنَّ الْمَجِيءَ إلَيْهِ يَكُونُ، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ الِاسْتِعَارَةِ.
[مَسْأَلَةٌ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى مِنْ نِسَائِكُمْ]
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ؛ فَقَالَ الْأَكْثَرُ مِنْ الصَّحَابَةِ: إنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْأَزْوَاجُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْمُرَادُ الْجِنْسُ مِنْ النِّسَاءِ، وَتَعَلَّقَ مَنْ قَالَ: إنَّهُنَّ الْأَزْوَاجُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] وَأَرَادَ الْأَزْوَاجَ فِي الْآيَتَيْنِ، فَكَذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ، وَإِذَا كَانَ إضَافَةُ زَوْجِيَّةٍ فَلَا فَائِدَةَ فِيهَا إلَّا اعْتِبَارُ الثُّيُوبَةِ؛ قَالُوا: وَلِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ عُقُوبَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا أَكْبَرُ مِنْ الْأُخْرَى، وَكَانَتْ الْأَكْبَرُ لِلثَّيِّبِ، وَالْأَصْغَرُ لِلْبِكْرِ. وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ أَرَادَ جَمِيعَ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ مُطْلَقُ اللَّفْظِ الَّذِي يَقْتَضِي ذَلِكَ وَعُمُومَهُ، فَأَمَّا الَّذِي تَعَلَّقُوا بِهِ مِنْ آيَةِ الْإِيلَاءِ وَالظِّهَارِ فَإِنَّمَا أَوْقَفْنَاهُ عَلَى الْأَزْوَاجِ؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ وَالْإِيلَاءَ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِيلَاءَ لَمَّا كَانَ مُجَرَّدًا عَنْ النِّكَاحِ بِأَنْ يَحْلِفَ أَلَّا يَطَأَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً فَوَطِئَهَا يَحْنَثُ إذَا وَطِئَهَا إذَا تَزَوَّجَهَا، وَإِنَّمَا وَقَفَ عَلَى الْأَجَلِ فِي الزَّوْجَةِ
رَفْعًا لِلضَّرَرِ.

1 / 458