Al-Agẖḏiya waʾl-adwiya

الأغذية والأدوية

Editor

الدكتور محمد الصباح

Edition

الأولى

Publication Year

1412 - 1992 م

..

Page 10

بسم الله الرحمن الرحيم الباب الأول في السبب الذي دعا الأوائل إلى الكلام في طبائع الأغذية قال إسحاق بن سليمان: إن السبب الذي دعا الأوائل إلى الكلام في طبائع الأغذية هو انهم لما عنوا بالبحث عن الصحة وأسبابها، والأمور الداعية إلى حفظها، وجدوا الأبدان مضطرة إلى أمرين:

أحدهما: إعطاؤها من الغذاء ما يصلحها مما به قوتها وقوامها، ولحاجتها إلى رد ما يتحلل منها بوقود الحرارة الغريزية من باطنها وحرارة الهواء من ظاهرها. ولذلك احتاجت إلى إعطائها ما تقتضيه القوة الطبيعية الشهوانية، المركبة فيها من الأغذية الموافقة لها.

والآخر: نفى ما يجتمع في الأبدان من قسم الغذاء المخالف لمزاجها، إذ لا سبيل إلى وجود نظير ما يتحلل من جوهر الأبدان بعينه في الأغذية الموجودة، فيفسد ويتحلل لامتناع ذلك في الطبع، إذ ليس جميع أجزاء الغذاء مشاكلة لجوهر البدن من قبل ان منه قسما هو جوهر الغذاء وهو المستحيل دما المتشبه بالأعضاء التي به تغذيتها، وقسما هو ثفل الغذاء وأرضيته وهو الذي تنفيه الطبيعة عن الأبدان لاستغنائها عنه في تغذية الأبدان.

ولما كان ذلك كذلك، ورأينا طبائع الناس في الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، وتركيبها في القوة والضعف والكثافة والسخافة (1) غير متكافئة ولا متساوية لان منها ما المستولي عليه الدم الخالص النقي. ومنها ما الغالب على مزاجه المرتان (2) أو البلغم. ومنها المتكاثف المسام المستحصف الجلد

Page 11

العسير التحلل. ومنها المتخلخل المسام السريع التحلل. ومنها ما ببعض أعضائه آفة، احتجنا إلى الوقوف على طبائع الأغذية واختلاف حالاتها في تنقلها ليكون ما يعطاه (١) كل صنف من الناس حسب ما يوافقه منها إما مشاكلا وملائما لمن كان مزاجه معتدلا، وإما مخالفا أو مضادا لمن كان مزاجه قد زال عن الاعتدال إذ كان غرض الطب وتمام عمله تثبيت المزاج الطبيعي على حالاته بما لاءمه وشاكله، ورد المزاج الحائد عن الاعتدال إلى الحالة الطبيعية بما خالفه ونقص منه.

مثال ذلك: أنا نجعل ما يستعمله من كان الغالب على مزاجه الدم الخالص النقي أغذية معتدلة في كميتها وكيفيتها جميعا ليكون الخلف المتولد عنها نظير ما يتحلل من الأبدان في طبائعها وجواهرها. ونجعل ما يستعمله من كان الغالب على مزاجه خلط من الأخلاط الأخرى مثل إحدى المرتين أو البلغم أغذية مخالفة لمزاجه وطبيعته لينقله من الزائد عليه إلى الناقص عنه ويرده إلى التوسط والاعتدال. مثال ذلك: أنا متى رأينا في الغالب على مزاجه المرار الأصفر، جعلنا ما يستعمله من الغذاء ما يبرد مزاجه ويرطبه. ومتى رأينا من الغالب على مزاجه البلغم، جعلنا ما يستعمله من الغذاء ما يسخن مزاجه ويجففه. ومتى رأينا من الغالب على مزاجه المرة السوداء، جعلنا ما يستعمله من الغذاء ما يسخن مزاجه ويرطبه. الا أنه يجب أن تكون كمية كيفية الغذاء الوارد على البدن، على حسب مقدار كمية كيفية مزاج البدن في صد كيفية الغذاء إلى أي كيفية كانت لا أزيد ولا أنقص.

مثال ذلك: انه متى كان مزاج البدن حائدا عند الاعتدال إلى الحرارة مقدار درجة، أن يكون الغذاء المستعمل حائدا عن الاعتدال إلى البرودة مقدار درجة. ومتى كان البدن حائدا عن الاعتدال إلى اليبوسة مقدار درجتين، أن يكون الغذاء المستعمل حائدا عن الاعتدال إلى الرطوبة مقدار درجتين. وعلى هذا الوزن والقياس يجب أن ينقل كل مزاج حائد عن الاعتدال إلى حاشية ما، أي حاشية كانت، حتى يرد إلى التوسط والاعتدال. فقد بان من قوة كلامنا أن بين كل مزاجين متضادين مزاج معتدل، كما أن بين كل نوعين من الأغذية، متضادين، نوعا متوسطا، والموافق من كل غذاء لمن كان مزاجه معتدلا لا يذم منه شئ <و> ما كان من الأغذية كذلك، أعني ما كان معتدلا لا يذم منه شئ. وأما ما كان مزاجه رديئا حائدا عن الاعتدال، كان ذلك له من جبلته وأول أمره، أو لعارض عرض له، فليس الموافق له من الغذاء ما كان معتدلا، ولا ما كان مشاكلا لمزاجه، بل ما كان مخالفا لمزاجه وطبعه، إذ كان محتاجا إلى أن ينقل من الحالة التي هو عليها إلى حالة هي أفضل وأعدل.

ونقل كل مزاج فإنما يكون بما خالفه ونافره. فإذا المعتدل ينتظم بمعنيين: أحدهما طبيعي عامي، والاخر عرضي خاصي. والعامي: هو الجاري على مجرى الطباع المتوسط بين كل حاشيتين متضادتين

Page 12

توسطا معتدلا مثل السخونة اللذيذة المتوسطة بين الحرارة والبرودة والليانة (1) المتوسطة بين الصلابة والرخاوة.

وأما الخاصي: فهو ما كان معتدلا بالإضافة إلى كل مزاج حائد عن الاعتدال، فصار معتدلا بإضافته إليه، ورده إلى التوسط والاعتدال.

مثال ذلك: أن الانسان متى كان صفراويا قد غلب على مزاجه الحرارة واليبوسة، كان المعتدل من الأغذية عنده، والأفضل في صلاح حاله ما كان منها باردا رطبا ليقمع ببرده ورطوبته حدة حرارة مزاجه العرضية ويرطب يبسه ويرده إلى التوسط والاعتدال. فقد بان ان المعتدل يقال على معنيين: إما معتدل موافق ومشاكل لمن كان مزاجه صحيحا لملائمته له وزيادته فيه، وإما منافرا ومخالفا لمن كان مزاجه حائدا عن الاعتدال لمضادته له ونقله إياه إلى التوسط والاعتدال.

وعلى هذا الوزن والمثال يجرى القياس في الأسنان (1) والأزمان والبلدان والمهن والعادات، لأنه لا يشك أحد من الطبيعيين أن المعتدل من الأغذية عند الشبان غير المعتدل عند المشايخ. والمعتدل في زمان الربيع غير المعتدل في زمان الخريف. والمعتدل في الصيف غير المعتدل في الشتاء. والمعتدل في البلدان الشمالية غير المعتدل في البلدان الجنوبية. والمعتدل عند أهل الرياضة والتعب غير المعتدل عند أهل الدعة والسكون، إذ كان أهل التعب والرياضة يحتاجون من الغذاء ما كان أغلظ وأعسر انهضاما وأبطأ انحلالا من الأعضاء. وأهل الدعة والسكون يحتاجون من الغذاء إلى ما كان لطيفا سريع الانهضام سهل التحلل من الأعضاء.

وأما تدبير الأبدان على حسب استحصافها وتخلخلها على هذا المثال، وذلك أنه متى كان البدن متخلخلا سريع التحلل للبخارات جعلنا ما يستعمله صاحبه من الغذاء ما كان كثيرا في كميته، غليظا لزجا في كيفيته، ليملأ المسام بكثرته ويشدها بغلظه ويعسر انحلاله منها لان الغذاء إذا كان قليلا رقيقا، مع سعة المسام وتخلخلها، لم يؤمن عليه ان يتحلل أكثره ويخرج من المسام بسرعة ويعدم الأعضاء كثيرا من الغذاء. وإذا كان الغذاء كثيرا غليظا ملا المسام وسدها وعسر انحلاله منها، ولم تحتج منه الا ما كانت الطبيعة محتاجة إلى اخراجه.

ومتى كان البدن كثيفا مستحصفا مانعا للبخارات من التحلل والخروج، جعلنا ما يستعمله صاحبه من الغذاء قليلا في كميته رقيقا سائلا في كيفيته، لان الغذاء إذا كان كثيرا غليظا مع ضيق المسام وكثافتها، اجتمع في البدن من بقايا الانهضام الثالث الكائن في الأعضاء مقدار لا يؤمن معه حدوث علل مزمنة وبخاصة أوجاع العصب والمفاصل. وإذا كان الغذاء رقيقا سيالا سهل خروجه من المسام الضيقة بسرعة ولم يبق منه في البدن الا مقدار حاجة الطبيعة إليه في تغذية الأعضاء، وسلم البدن من أذيته.

Page 13

فقد بان أن الغرض الذي قصدت به الأوائل الكلام على طبائع الأغذية، هو ان يكون الخلف المتولد عنها نظير ما يتحلل من جواهر الأبدان المغتذية بها. ولذلك وجب ألا نقتصر في معرفة ما يجلب الصحة ويديمها، بالوقوف على طبائع الأغذية فقط دون الوقوف على معرفة طبائع الأبدان المغتذية بها، لان من وقف على معرفة طبائع الأغذية، ولو بلغ (1) في معرفته بها الغاية القصوى، ولم يقف مع ذلك على طبائع الأبدان المغتذية بها، لم تتم له المعرفة بما يحفظ الصحة على الأصحاء، ولا بما يكسبها المرضى، من قبل ان الأبدان تختلف كثيرا في مزاجاتها وتركيبها، وبحسب اختلافها يجب اختلاف أغذيتها. ولذلك لزمتنا الحاجة إلى الوقوف على اختلاف الأبدان والاشراف على ما كان منها متخلخلا واسع المسام، أو متكاثفا ضيق المسام، والنظر في مزاج البدن كله، وحال كل واحد من أعضائه هل هو على مزاجه الذي يجب ان يكون عليه أم لا، لأنا نجد كثيرا من الناس مزاج بدنه أسخن من المقدار الذي يجب، ومزاج معدته أبرد.

وربما كان الامر بخلاف ذلك وضده، حتى يكون البدن أبرد والمعدة أسخن. وكذلك الحال في سائر الأعضاء. وقصد الأوائل في جميع الطرق التي يحفظون بها الصحة على الأصحاء ويكسبونها المرضى قصدا سواء خلا استعمال الأغذية فان قصدهم فيها خلاف قصدهم في غيرها من قبل ان قصدهم في جلب الصحة بالأدوية وغيرها هو مقابلة بالضد بالضد من اسخان أو تبريد أو استفراغ أو احتقان. وأما الأغذية فليس كذلك لان قصدهم فيها بدءا ان يكون الغذاء ملائما ومشاكلا لمن كان مزاجه معتدلا، أو مخالفا ومضادا لمن كان مزاجه حائدا عن الاعتدال.

ثم يقصدون، بعد ذلك، إلى أن يبلغ الطعام من الهضم والاستمراء (2) في المعدة والكبد جميعا أفضل مراتبه. ثم يكون ما ينفذ منه إلى جميع البدن سهل النفوذ والجولان، موافقا لمزاج الأعضاء، سريع الانقلاب إليها، قريب الشبه بها مشاكلا (3) في طبيعتها ومزاجها، من قبل ان كل موافق وملائم يغذو وينمي وكل مخالف ومنافر مفسد مؤذ. ولذلك صار كل غذاء مخالف لطبيعة بدن أي حيوان كان، فأما أن لا يأكله أصلا، وأما ان يأكله عند الفقر إليه من غير استلذاذ منه له. ولهذه الجهة اختص أكثر الحيوان بغذاء دون غذاء غيره من الحيوان على قدر طبيعته ومزاجه.

ولجالينوس (4) في هذا فصل قال فيه:

ان كل غذاء من الأغذية لأي حيوان كان، أو نبات كان، فبينه وبين ذلك الحيوان أو النبات الذي يغتذي به في خاصة طبيعته وملاءمة ومشاكلة. مثل الماء العذب المشاكل لطبيعة الأشجار والنبات وألقت (5)

Page 14

والشعير المشاكل للخيل والحمير. واللحم النئ المشاكل للسباع. والخبز المحكم الصنعة، واللحم المدبر بالطبخ المشاكل لمزاج الانسان. ولهذه الجهة صار الخربق (1) غذاء للسلوى (2). والشوكران (3) غذاء للزرازير (4)، والكرسنة غذاء للبقر من غير أن يضر الخربق بالسلوى، ولا الشوكران بالزرازير، على عظم ضررهما بالانسان. ومن قبل ذلك أيضا صار الافراد من الناس يستمرئون من الأطعمة ما لا يستمرئها أكثر الناس اما لخصوصية طبع فيما بين الغذاء والمغتذي، واما لعارض في المعدة يعين على جودة الهضم والاستمراء، لا لجودة الغذاء في نفسه. كما أنه قد يعرض كثيرا ان يفسد الهضم والاستمراء لا لرداءة (5) الغذاء في نفسه، ولا لمخالفته لمزاج المغتذي، لكن لأسباب اتفاقية سنذكرها عن قرب في موضعها الأخص بها إن شاء الله تعالى.

Page 15

الباب الثاني في وجود السبيل إلى الوقوف إلى طبائع الأغذية قال إسحاق بن سليمان: أجمع الأوائل على أن الوقوف على طبائع الأغذية يكون بطريقين:

أحدهما التجربة، والآخر (1) القياس. وذلك أنه لا يشك أحد في التجربة أنها قد تدل على سرعة الانهضام وإبطائه، وجودة الغذاء ورداءته، وملاءمته لمزاج بدن المغتذي أو مخالفته له، وموافقته للمعدة أو إضراره بها، وتليينه للطبيعة أو حبسه لها. إلا أن الامر وإن كان كذلك، فليس يجب أن تكون التجربة معراة من القياس، لان كثيرا ما يدخل أهلها الشبه والالتباس حتى يقودهم ذلك إلى الحيرة والشكوك، من قبل أن الأغذية قد يختلف فعلها وانفعالها في الأبدان لثلاثة أوجه: إما لاختلاف طبائع البشر ومزاجاتهم (2). وإما لاختلاف كيفية الغذاء في طبيعته وبسطه وتركيبه. وإما لاختلاف استعماله وضرره واتخاذه. وذلك أنا كثيرا ما نشاهد الواحد من الأغذية محمودا في قوم ومذموما في غيرهم، ومطلقا للبطن في قوم وحابسا لها في غيرهم. ومن أجل ذلك قال رجل من المبرزين المشهورين بمعرفة الطبيعيات يقال له أرسسطراطس، قال قولا صدق به جميع من سمعه، ووافقه أيضا عليه جالينوس، وهو أن قال أن بعض الناس يستمرئون لحم البقر وما شاكله من الأغذية الغليظة البطيئة الانهضام أكثر من استمرائهم لحم الدراج والفراريج ومحمود السمك. وأن الغسل موافق لقوم محمود عندهم يقولون: أنه مطلق للبطن مهيج للأمراض. وأن العدس والكرنب لا يحبسان الطبيعة في كل الناس، بل يفعلان (3) ضد ذلك وعكسه في كثير من الناس.

ومن قبل ذلك وجب ألا يطلق القول في شئ من الأغذية بأنه ضار أو نافع، أو حابس للبطن، أو مطلق له، وموافق للمعدة أو مؤذ لها دون الفحص عن ثلاثة وجوه: أحدها، معرفة طبائع أبدان المستعملين للأغذية وتركيبها وأمزجتها. والثاني، معرفة اختلاف الأغذية في طبائعها وبسطها وتركيبها.

أعني ببسطها ما كان منها له قوى مختلفة مركبة. والثالث، كيفية انتقال الغذاء واستحالته في الأبدان.

Page 16

أعني بذلك سرعة انهضامه وبطئه وجودة غذائه ورداءته وملاءمته لمزاج بدن المغتذى به، أو مخالفته له، لأنا متى فعلنا ذلك، ووقفنا على حقيقة ما شرطنا ، اتضح لنا لم صار الغذاء الواحد موافقا لبعض الناس، ومخالفا لغيرهم، ومسهلا للبطن في قوم وحابسا لها في خلافهم. ولم صار العسل سببا للصحة في قوم، وعلة للمرض في قوم.

وأنا مبتدئ ببيان ذلك. وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه أنيب.

* * * القول في طبائع الأبدان أما طبائع الأبدان فمختلفة (1) لثلاثة وجوه: أحدها: من خلقتها وتركيبها. والثاني: من طبائعها وأمزجتها. والثالث: لحال تعرض للمعدة في بعض الأوقات خارجة عن المجرى الطبيعي.

فأما اختلاف الأبدان في تركيبها فيكون على ضربين: وذلك أنه لا بد لكل بدن من أبدان البشر من أن يبرز، من فم المرارة التي فيه، مجرى ينشعب شعبتين: إحداهما: أعظم من الأخرى، وأعظم الشعبتين بالطبع من شأنها في أكثر الناس ان تصير إلى المعاء وتقذف فيه بأكثر المرار المنحدر عن المرارة لتقطع ما يصل إلى المعاء من ثفل الغذاء. ويهيج المعاء إلى دفع ما يجتمع فيها من الأثفال.

وأصغر الشعبتين يصير إلى فم المعدة ويقذف فيه من المرارة مقدارا معتدلا ليعين إلى هضم الغذاء ويجلو ما يجتمع في المعدة من الرطوبات الغليظة، وربما انعكس ذلك في بعض الناس حتى تكون أصغر الشعبتين هي التي تنحدر إلى المعاء فيكون الناس (2) ينصب إليه من المرارة مقدارا أقل حتى يضعف فعله هناك. ويغلب على الموضع البلغم ويغلظ فيه، ويغلب لون البلغم على لون البراز ويبعد انحدار الأثفال بسرعة، ويخالف خروجها في أوقاتها الطبيعية، ويعرض لمن كانت هذه الحالة، في أكثر الحالات، القولنج العارض من البلغم الغليظ، ويكثر في أمعائهم الدود وحب القرع والحيات الطوال.

ويصير أعظم الشعبتين إلى فم المعدة ويقذف فيه من المرار مقدارا أكثر حتى يعرض كثيرا، لمن كانت هذه حاله، فساد ما يتناول من الطعام اللطيف السريع الانهضام، ويحسن استمراؤه لما يأخذ من الطعام الغليظ يقاوم فعل المرار الكثير لثقله وبعد انقياده من غير أن يستحيل أو يتشكل بشئ من المرار حتى تتمكن منه الحرارة الغريزية وتحتوي عليه وتستكمل فعلها فيه، فيجود هضمه ويحسن استمراؤه.

Page 17

فأما الطعام اللطيف فإنه ، لخفته وسرعة انقياده، لا يمكنه مقاومة الكثير من المرار لكنه يستحيل ويتشيط (١) بسرعة، وينتقل إلى طبيعة المرة حتى يصير هو وهي شيئا واحدا، فيتوهم من كانت هذه حاله أن مزاجه ممرور وإن كان مزاج بدنه، على الحقيقة، مرطوبا لأنه قد يمكن أن يكون مزاج البدن مرطوبا بلغمانيا، وما يجتمع في معدة صاحبه من المرار مقدارا أكثر، وذلك لسعة الشعبة التي تصير إلى المعدة من المرارة وعظمها. ولذلك، قد يمكن أن يكون مزاج البدن ممرورا قوى الحرارة، وما يجتمع في معدة صاحبه من المرار مقدارا أقل <و> (2) وذلك لضيق الشعبة التي تصير إلى المعدة من المرارة وصغرها، من قبل أن حرارة المزاج إنما تكون من كثرة الجزء المري المخالط للدم الجوال معه إلى جميع البدن. وكثرة اجتماع المرار في المعدة إنما تكون من سعة الشعبة المتصلة بها من المرارة. فربما كانت هذه الشعبة واسعة والدم المري المخالط للدم الجوال معه في جميع البدن قليلا، فيكون ما ينصب من المرار إلى المعدة مقدارا أكثر، ومزاج البدن في نفسه قليل المرار.

وربما كان الجزء المري المخالط للدم كثيرا والشعبة المتصلة بالمعدة من المرارة ضيقة فيكون ما ينصب إلى المعدة من المرار مقدارا أقل ومزاج البدن في طبعه محرورا لكثرة الجزء المري المخالط للدم.

وأما اختلاف الأبدان بحسب طبائعها وأمزجتها فيكون أيضا على ضربين: وذلك أن من الناس من الحرارة على مزاجه أغلب إما طبعا منذ أول مرة، وإما عرضا حالا حادثا. ومنهم من البرودة على مزاجه أغلب إما طبعا أيضا، وإما عرضا. فمن كانت الحرارة على مزاجه أغلب كان متى ورد إلى معدته طعام لطيف رفعته الحرارة لخفته إلى أعلى المعدة، وبقي هناك طافيا عواما في الجزء العصباني من المعدة البعيد من موضع الطبخ إذ موضع الطبخ من المعدة إنما هو الجزء اللحمي الأسفل منها المجاور لحرارة الكبد والمرارة، فإذا لبث الطعام في أعلى المعدة زمانا حمي بقوة الغليان والبخار المتصاعد إليه واستحال وتشيط، وانتقل من جنس المرار وأحدث في فم المعدة لذعا وألما، وولد عطشا قويا وجشاء دخانيا.

ومتى ورد معدة من كانت هذه حاله طعام غليظ ثقيل بطئ الانهضام، قاوم الحرارة بغلظه وهبط سفلا بثقله، واستقر في موضع الطبخ من المعدة، وتمكنت الحرارة منه واحتوت عليه وقوي فعلها فيه، وجاد طبخه وكمل انهضامه.

وأما من كانت البرودة أغلب على مزاجه، فان الطعام إذا ورد إلى معدته لحقه ضربان من الفساد، وذلك أنه إما أن يزلق بلزوجة البلغم ورطوبته وينحدر إلى المعي قبل كمال نضجه ولا يلبث فيها إلا يسيرا، وإن وافى منها شيئا من الفضول الغليظة البلغمانية تفجج هناك وغلظ وعسر انحداره،

Page 18

واستحال إلى فساد، وأحدث أمغاصا ونفخا وقراقر. وإما أن يتفجج في المعدة لضعف الحرارة عن طبخه، فيستحيل إلى الحموضة والعفونة ويحدث نفخا وقراقر وجشاء حامضا عفنا. فإن كانت العفونة أغلب على الجشاء دلت على أن الفضل سوداوي (1)، وإن كانت الحموضة أغلب دلت على أن الفضل بلغماني. وقد يختلف ذلك في الناس على حسب اختلاف صنوف البلغم، لان أصناف البلغم على ضروب خمسة:

وذلك أن منه نوعا يعرف بالتفه أي لا طعم له. وهذا النوع هو الطبيعي ومسكنه العروق لكنه جوال مع الدم في جميع البدن، من قبل أنه دم لم يكمل نضجه فيعذب، ولذلك صارت الطبيعة تستعمله في تغذية البدن عند حاجتها إليه عند نقصان الدم ومنفعته للبدن أن به تكون سهولة الازدراد وحركات المفاصل، وجولان الغذاء إلى جميع البدن، وخروج ما يخرج من فضول البدن.

ومنه نوع ثان: يميل إلى العذوبة قليلا قريب من طبيعة الدم، دال على حرارة قد قويت على البلغم الطبيعي فزادت في هضمه، ونقلته إلى العذوبة.

ومنه نوع ثالث: مائل إلى الملوحة والبورقية قريب من طبيعة المرة الصفراء، دال على حرارة قوية، قد أفرطت على رطوبة البلغم، وأسخنتها وصيرتها بورقية. ولذلك صار هذا النوع من البلغم زائدا في شهوة الماء، وناقصا من شهوة الغذاء.

ومنه نوع رابع: مائل إلى الحموضة قريب من طبيعة المرة السوداء، دال على برودة زائدة قد غلبت على البلغم ومنعت من كمال نضجه، ونقلته إلى الحموضة. ولذلك صار هذا الضرب من البلغم ناقصا من شهوة الماء، وزائدا في شهوة الغذاء.

ومنه نوع خامس: يعرف بالزجاجي لأنه شبيه بالزجاج الأبيض المذاب نستغني عن ذكره في هذا الموضع لأنه لا يغذو البدن أصلا، ولا يستحيل كاستحالة سائر صنوف البلغم، ولا يجول في البدن، ولا ينقاد لفعل الطبيعة، وذلك لغلظه وقوة برده.

وكذلك المرة قد تتصنف على ضروب:

وذلك أن منها نوعا يعرف بالأشقر، لأنه لونه متوسط بين الصفرة والحمرة. وهو النوع الطبيعي المتولد في أبدان الأصحاء ومسكنه ليس المرارة لان الطبيعة تستبشعه لمرارته (2) وحدته فحصرته في موضع ولم ترسل منه مع الدم إلا مقدار حاجتها إليه في تقوية القوة الجاذبية في كل واحد من الأعضاء، كما بشعت المرة السوداء لشدة حموضتها وقوة بردها ويبسها، فحصرتها في الطحال ولم ترسل منها مع

Page 19