Adab al-dunyā waʾl-dīn
أدب الدنيا والدين
Publisher
دار مكتبة الحياة
Edition
الأولى
Publication Year
1407 AH
Publisher Location
بيروت
ظُلْمَ الْحِيرَةِ، وَيُوَضِّحُ حَقَائِقَ الْأُمُورِ. وَقَالَ أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيٍّ: مَنْ صَبَرَ ظَفِرَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ: كَانَ مَكْتُوبًا فِي قَصْرِ أَزْدَشِيرِ: الصَّبْرُ مِفْتَاحُ الدَّرَكِ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: بِحُسْنِ التَّأَنِّي تَسْهُلُ الْمَطَالِبُ. وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: مَنْ صَبَرَ نَالَ الْمُنَى، وَمَنْ شَكَرَ حَصَّنَ النُّعْمَى.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشِيرٍ:
إنَّ الْأُمُورَ إذَا سُدَّتْ مَطَالِبُهَا ... فَالصَّبْرُ يَفْتَقُ مِنْهَا كُلَّ مَا ارْتَتَجَا
لَا تَيْأَسَنَّ وَإِنْ طَالَتْ مُطَالَبَةٌ ... إذَا اسْتَعَنْتَ بِصَبْرٍ أَنْ تَرَى فَرَجَا
أَخْلِقْ بِذِي الصَّبْرِ أَنْ يَحْظَى بِحَاجَتِهِ ... وَمُدْمِنِ الْقَرْعِ لِلْأَبْوَابِ أَنْ يَلِجَا
وَالْقِسْمُ السَّادِسُ: الصَّبْرُ عَلَى مَا نَزَلَ مِنْ مَكْرُوهٍ أَوْ حَلَّ مِنْ أَمْرٍ مَخُوفٍ. فَبِالصَّبْرِ فِي هَذَا تَنْفَتِحُ وُجُوهُ الْآرَاءِ، وَتُسْتَدْفَعُ مَكَائِدُ الْأَعْدَاءِ، فَإِنَّ مَنْ قَلَّ صَبْرُهُ عَزَبَ رَأْيُهُ، وَاشْتَدَّ جَزَعُهُ، فَصَارَ صَرِيعَ هُمُومِهِ، وَفَرِيسَةَ غُمُومِهِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَك إنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنْ اسْتَطَعْت أَنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ بِالرِّضَى فِي الْيَقِينِ فَافْعَلْ، وَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَاصْبِرْ فَإِنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا» .
وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَالْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَالْيُسْرَ مَعَ الْعُسْرِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: الصَّبْرُ مُسْتَأْصِلُ الْحِدْثَانِ، وَالْجَزَعُ مِنْ أَعْوَانِ الزَّمَانِ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: بِمِفْتَاحِ عَزِيمَةِ الصَّبْرِ تُعَالَجُ مَغَالِيقُ الْأُمُورِ. وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: عِنْدَ انْسِدَادِ الْفَرَجِ تَبْدُو مَطَالِعُ الْفَرَجِ.
وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُد ﵉ لَمَّا اسْتَكَدَّ شَيَاطِينَهُ فِي الْبِنَاءِ شَكَوْا ذَلِكَ إلَى إبْلِيسَ، لَعَنَهُ اللَّهُ، فَقَالَ: أَلَسْتُمْ تَذْهَبُونَ فَرْغًا وَتَرْجِعُونَ مَشَاغِيلَ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَفِي
1 / 290