542

ومخالطتهم ، خوف الفتنة منهم عليهم ، فيصيبهم ما أصابهم ، فقال : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة ) أي : لا تتخذوا الكافرين خواص أوليائكم وخلصكم ، فإن بطانة الرجل وليجته وخاصته وصفيه الذي يعرفه الرجل ويفشي إليه أسراره ثقة به . شبه ببطانة الثوب ، كما شبه بالشعار. وعن النبي صلى الله عليه وآلهوسلم : «الأنصار شعار ، والناس دثار». ( من دونكم ) من غير أبناء جنسكم ، وهم المسلمون. وهو متعلق ب «لا تتخذوا» ، أو بمحذوف هو صفة بطانة ، أي : بطانة كائنة من دونكم.

ثم بين العلة في المنع من مواصلتهم فقال : ( لا يألونكم خبالا ) لا يقصرون لكم في ما يؤدي إلى فساد أمركم ، ولا يتركون جهدهم وطاقتهم فيما يورثكم الشر ، والألو : التقصير. وأصله أن يعدى بالحرف ، ثم عدي إلى المفعولين ، كقولهم : لا آلوك نصحا ولا آلوك جهدا ، على تضمين معنى المنع أو النقص. والمعنى : لا أمنعك نصحا ولا أنقصك. والخبال : الفساد.

( ودوا ما عنتم ) تمنوا عنتكم ، وهو شدة الضرر والمشقة. وأصله : إنهاض العظم بعد جبره. و «ما» مصدرية. ( قد بدت البغضاء من أفواههم ) أي : ظهرت على ألسنتهم وفي فلتات كلامهم أمارات العداوة لكم ، لأنهم لا يتمالكون أنفسهم لفرط بغضهم ( وما تخفي صدورهم ) من البغضاء ( أكبر ) مما بدا ، لأن بدوه ليس عن فكرة واختيار ( قد بينا لكم الآيات ) قد أظهرنا لكم الدلالات الواضحات الدالة على وجوب الإخلاص ، وموالاة المؤمنين ، ومعاداة الكافرين ( إن كنتم تعقلون ) ما يبين لكم.

والجمل الأربع جاءت مستأنفات على التعليل للنهي عن اتخاذهم بطانة. ويجوز أن تكون الثلاث الأول صفات ل «بطانة». وأما «قد بينا» فكلام مبتدأ.

عن ابن عباس : أن نزول هذه الآية في شأن رجال من المسلمين كانوا يواصلون رجالا من اليهود ، لما كان بينهم من الصداقة والقرابة والجوار والحلف والرضاع.

Bogga 547