يقول القرطبي ﵀ في الاستدلال بالكمال على ثبوت النبوة: "الكمال المطلق إنما هو لله تعالى خاصة، ولا شك أن أكمل نوع الإنسان الأنبياء، ثم يليهم الأولياء من الصديقين والشهداء والصالحين، وإذا تقرر هذا فقد قيل: إن الكمال المذكور في الحديث يعني به النبوة؛ فيلزم عليه أن تكون مريم ﵍ وآسية نبيتين، وقد قيل بذلك، والصحيح أن مريم نبية؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك، كما أوحى إلى سائر النبيين حسب ما تقدم، ويأتى بيانه أيضًا في مريم، وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها دلالة واضحة بل على صديقيتها وفضلها" (١)
والصحيح في المسألة أن الوحى قد يستعمل بمعناه العام؛ فلا يكون الاحتجاج به كافيًا في إثبات النبوة، فالوحى - كما سبقت الإشارة إليه - يعني: الإشارة والرسالة والإلهام والكلام الخفى وكل ما ألقيته إلى غيرك" (٢)، وجاء في تهذيب اللغة أن أصل الوحى في اللغة: إعلام في خفاء ومنه سمى الإلهام وحيًا". كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ [المائدة: ١١١] وما ورد في سورة النحل أيضًا: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨].
يقول شيخ الإسلام ﵀ مبينًا حقيقة الوحى: "الوحى هو الإعلام السريع الخفى، إما في اليقظة وإما في المنام، فإن رؤيا الأنبياء وحى، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ في الصحاح.
وقال عبادة بن الصامت ﵁ ويروى مرفوعًا: (رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام) وكذلك في اليقظة، فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتى فعمر) (٣)، (٤)
(١) تفسير القرطبي: (٤/ ٨٣).
(٢) لسان العرب لابن منظور: (٨/ ٤٧٨٧).
(٣) أخرجه البخاري: كتاب فضائل الصحابة - مناقب عمر بن الخطاب، حديث رقم: ٣٦٨٩. وأخرجه مسلم في: كتاب فضائل الصحابة.
(٤) مجموع الفتاوى: (١٢/ ٣٩٨).