إن صاحب السماحة لا تطيب نفسه بأن يحصل حقًّا لم تطب به نفس الطرف الآخر، فيؤثر التنازل أو السماحة وإن كان الحق له، وهذا ما كان من عثمان ﵁ حين اشترى من رجل أرضًا، فتأخَّر صاحب الأرض في القدوم عليه لقبض الثمن، وتبيَّن له أن سبب تأخره أنه بعد أن تم العقد شعر البائع أنه مغبون، وكان الناس يلومونه كيف تبيعها بهذا الثمن؟ قال عثمان: (فاختر بين أرضك ومالك)، ثم ذكر له الحديث: «أدخل الله ﷿ الجنة رجلًا، كان سهلًا مشتريًا وبائعًا، وقاضيًا ومقتضيًا» (١).
إن إنظار المعسر، أو التجاوز عن القرض أو عن جزء منه، صورة عظيمة من صور الكرم وسماحة النفس. قال رسول الله ﷺ: «كان تاجر يُداين الناس، فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه؛ لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه» (٢)، بل إن توفيق الدنيا والآخرة مرهون بتيسيرك على أخيك المعسر: «مَن يسَّر على مُعسِر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة» (٣).
وقد كان رسول الله ﷺ يأمر برد القرض بخير منه وبالزيادة فيه، ويقول: «أعطِه، فإن خيار الناس أحسنهم قضاء» (٤)، وما ترك صاحب القرض يمضي إلا وهو راضٍ، كما شهد لرسول الله ﷺ شريكه
(١) مسند أحمد ١/ ٥٨ وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه (١٧٨٩/ ٢٢٠٢) وصحيح النسائي (٤٣٧٩).
(٢) صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب ١٨ - الحديث ٢٠٧٨ (الفتح ٤/ ٣٠٨).
(٣) صحيح مسلم - كتاب الذكر - باب ١١ - الحديث ٢٦٩٩ رواه ابن ماجه برقم ٢٤١٧ - واللفظ له -.
(٤) صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٢٩ - الحديث ١٨٥١/ ٢٢٨٥ (صحيح).