448

The Shining Light from the Comprehensive Sermons

الضياء اللامع من الخطب الجوامع

Daabacaha

الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

Daabacaad

الأولى

Sanadka Daabacaadda

١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م

[الخطبة الثانية فيما يجب إخراجه من زكاة الثمار]
الخطبة الثانية
فيما يجب إخراجه من زكاة الثمار الحمد لله الذي من على عباده بما أخرج لهم من الزروع والثمار، وأنعم عليهم بمشروعية صرفها فيما يرضيه عنهم من غير إسراف، ولا إقتار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العزة والاقتدار، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى المختار صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان آناء الليل والنهار، وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى، واشكروه على ما أمدكم به من أموال وبنين وجنات وعيون، أمدكم بثمرات النخيل تتفكهون بها رطبا ويسرا، ثم تدخرونها قوتا وتمرا، فهو الذي خلقها، وأوجدها وهو الذي نماها، وأصلحها، وهو الذي نوعها جودا ورداءة وقسمها، اشكروا الذي أبقاكم حتى أدركتم جناها، واشكروا الذي شرع لكم الإنفاق منها على ما يرضيه، وزكاها، أدوا ما أوجب الله عليكم فيها من الزكاة لتفوزوا بالخلف العاجل والثواب الجزيل من جزيل العطايا والهبات: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]
عباد الله أتحسبون أن ما تخرجونه من الزكاة لا ينفعكم؟ أتحسبون أن ما تخرجونه من ذلك فائت عليكم غير مدخر لكم؟ أتحسبون أن ذلك غرم وخسارة؟ لا والذي خلق الحبة، وبرأ النسمة إن ما تخرجونه من ذلك هو ما تبقونه لأنفسكم في الحقيقة، وهو المال الرابح: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠] وإن الذي تبقونه، وتبخلون به هو المال الزائل؛ لأنكم إما أن تأكلوه في حياتكم، فيفنى أو تتركوه لمن بعدكم بعد موتكم، فيغنمه الوارث البعيد، أو الأدنى هذا هو حقيقة ما تبقونه من المال وتلك حقيقة ما تقدمونه عند الملك العلام. «ذبح آل النبي ﷺ شاة، فتصدقوا بها، ولم يبق منها إلا الكتف، فدخل النبي ﷺ، فقال: " ما بقي منها؟ " فقالت عائشة: ما بقي منها إلا كتفها، فقال النبي ﷺ: " بقي كلها إلا كتفها» . ﷺ، وصدق رسول الله ﷺ، فإن الذي بقي من الشاة حقيقة هو ما تصدقوا به؛ لأنه هو الذي سيجدونه مدخرا عند الله، أما ما أبقوه فسيفنى.
عباد الله إن النفوس مجبولة على الشح، ولكن من يوق شح نفسه فقد أفلح. إن الشيطان يعدكم الفقر، ويأمركم بالبخل، ولا سيما البخل بالزكاة؛ لأن الزكاة ركن من أركان الإسلام فهو حريص على أن تبخلوا بها حريص على أن تمنعوها بالكلية، أو أن تمنعوا ما يجب فيها من قدر
أو وصف إنه يعدكم، ويمنيكم وما يعدكم الشيطان إلا غرورا.
أيها المسلمون إننا في وقت جذاذ النخيل ووقت إخراج زكاتها، وإن الواجب عليكم أن تحاسبوا أنفسكم في الدنيا قبل أن تحاسبوا عليها في الآخرة. لقد بين النبي ﷺ لأمته ما يجب عليهم من زكاة الثمار بيانا ظاهرا لا إشكال فيه، بيانا تقوم به الحجة، وتزول به الشبهة، فقال صلوات الله وسلامه عليه: «فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر» . وهذا بيان ما بعده بيان فالزكاة فيما سقي بالنضح أي: بالسواني والمكائن نصف العشر. سهم بين، ومقدار معلوم، قاله رسول الله ﷺ لأمته، وبلغه إليهم، فمات صلوات الله وسلامه عليه، وقد فرض إليهم الأمر، ووكلهم إلى ما عندهم من الدين والأمانة وربه سبحانه هو المتولي لحسابهم: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] أيها المسلم، حاسب نفسك، أخرج السهم الذي قدره الله لك ورسوله، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١] أخرج نصف العشر من ثمار نخيلك مراعيا بذلك اختلاف الأنواع وقيمة الجيد منها، لا تبخل على نفسك، فربك لم يفرض الزكاة عليك إلا تكميلا لعبادتك، وتطهيرا لما لك، وإبراء لذمتك.
أيها المسلمون إننا في زمن تختلف فيه أنواع النخيل اختلافا بينا ظاهرا، فبينما بعض النخيل يباع الكيلو منها بثلاث ريالات أو أكثر إذا ببعضها يباع الكيلو منه بنصف ريال أو أقل، ثم يغلب الشح بعض الناس، فيخرج زكاة النوع الأول من هذا النوع الثاني الذي نسبته إليه السدس، وهذا حيف بلا شك، فإن هذا ليس بإخراج لنصف العشر باعتبار النخل كله أرأيت لو كان لك سهم من بستان مقدار سهمك نصف العشر هل ترضى أن تأخذ من النوع الذي كيلوه بنصف ريال بدلا عن الذي كيلوه بثلاثة ريالات؟ لن ترضى أبدا إذن فكيف لا ترضاه لنفسك في الدنيا، ثم ترضاه لربك ولنفسك في الآخرة؟
أيها المسلمون إذا عرفتم أن الواجب نصف العشر سهم بين بنص رسول الله ﷺ، فإن من العلماء من قال: يجب عليه أن يخرج زكاة كل نوع من ذلك النوع يخرج زكاة الطيب من الطيب، وزكاة المتوسط من المتوسط، وزكاة الرديء من الرديء، وهذا أمر شاق، ولا سيما مع كثرة الأنواع، ولذلك قال بعض العلماء: لا بأس أن يخرج عن الجيد من المتوسط بقدر القيمة.

3 / 451