566

The Refined in Comparative Jurisprudence

المهذب في علم أصول الفقه المقارن

الدليل الثاني: وقوعه، والوقوع يدل على الجواز، فلو لم يكن
جائزًا لما وقع، فقد وقع في الشرع أن القرآن نسخ السُّنَّة، من ذلك:
١ - أنه نسخ تأخير الصلاة حالة الخوف الثابت بالسُّنَّة؛ حيث
روى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ أخَّر الصلاة يوم الخندق: الظهر والعصر والمغرب حتى بعد المغرب بهوي من الليل فصلاها، ثم نسخ ذلك بالقرآن وهو قوله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم
الصلاة) .
٢ - أنه نسخ الصلاة على المنافقين، فقد روى عمر بن الخطاب:
أن النبي ﷺ صلى على عبد اللَّه بن أبي بن سلول المنافق، فعارضه عمر ﵁ فقال رسول الله ﷺ: "أخَّر عني يا عمر إني خيرت فاخترت قد قيل لي: " استغفر لهم " لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت " -
قال الراوي: فصلى عليه، ومشى معه، وقام على قبره حتى فرغ منه،
قال: فعجبت من جرأتي على رسول اللَّه، والله ورسوله أعلم،
قال: فوالله ما كان إلا يسيرًا حتى نزل قوله تعالى: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ)، فما صلى رسول اللَّه ﷺ على منافق، ولا قام على قبره حتى قبضه اللَّه تعالى، فهذا نسخ السُّنَّة بالقرآن.
٣ - أنه نسخ القبْلة إلى بيت المقدس الثابتة بالسُّنَّة بالقرآن؛ حيث
إن النبي ﷺ لما قدمَ المدينة صلَّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) .
ولا يمكن أن يقال: إن التوجه إلى بيت المقدس كان معلوما
بالقرآن، وهو قوله تعالى: (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)؛ لأن هذه الآية فيها
تخيير بين بيت المقدس وغيره من الجهات، والمنسوخ إنما هو وجوب
التوجه إليه عينًا، وذلك غير معلوم من القرآن.

2 / 599