جذبة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عنقه ثم قال: يا محمد، احمل لي على بعيري هذين من مال الله عندك فإنك لا تحمل لي من مالك ولا مال أبيك ... فسكت النبي ﷺ ثم قال: "المال مال الله وأنا عبده".. ثم قال: "ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي" قال: لا، قال: لم؟ قال لأنك لا تكافئ بالسيئة السيئة. فضحك ﵇ ثم أمر أن يُحمل له على بعير شعير وعلى الآخر تمر١.
ولما أسر المسلمون ثمامة بن أثال الحنفي، وكان من عظماء بني حنيفة وجيء به إلى رسول الله ﷺ عامله أكرم معاملة وعرض عليه الإسلام فأبى، فأطلق سراحه وهو القادر حينئذ على أن يقتله أو ينكل به، ولما رأى ثمامة هذه المعاملة وهذه المكارم، وجد من العقل أن يفيء إلى الرشد، وألا يمعن في اتباع الهوى ويترك دينًا عماده المحامد، فرجع إلى رسول الله ﷺ وقد أشرق الحق في نفسه وخالطت بشاشة الإيمان قلبه. وخاطب الرسول ﷺ قائلًا: يا محمدُ، والله ما كان على الأرض من وجه أبغض علي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي، والله ما كان على الأرض من دين أبغض إلي من دينك، فقد أصبح أحب الدين كله إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فقد أصبح أحب البلاد إلي٢.
١ أخرج أبو داود ٤٧٧٥ في الأدب، والنسائي ٨/ ٣٣ من حديث أبي هريرة نحو هذه الواقعة، وفي سند الحديث ضعف.
لكن صح عند البخاري ٥٤٧٢ وغيره من حديث أنس قال:
كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه برد نجراني غليظ، فأدركه أعرابي فجبذه جبذة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ قد أثرت بها الحاشية. من شدة جذبته، قال: يا محمدُ، مُر لي من مال الله الذي عندك.
فالتفت له رسول الله ﷺ ثم أمر له بعطاء.
٢ صحيح البخاري ٤٦٢، وسيرة ابن هشام ٤/ ٢١٥، وأسد الغابة ١/ ٢٨٢، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم ٣/ ٢٩٠، والإصابة لابن حجر ١/ ٤١١ وغير ذلك.