وعاد الرسول ﷺ إلى المدينة لهلا رمضان بعد أن غاب عنها شهرًا إلا ليلتين (١).
وعند ماء المريسيع كشف المنافقون عن الحقد الذي يضمرونه للإسلام والمسلمين، فكلما كسب الإسلام نصرًا جديدًا ازدادوا غيظًا على غيظهم، وقلوبهم تتطلع إلى اليوم الذي يهزم فيه المسلمون لتشتفى من الغل، فلما انتصر المسلمون في المريسيع سعى المنافقون إلى إثارة العصبية بين المهاجرين والأنصار، فلما أخفقت المحاولة سعوا إلى إيذاء الرسول ﷺ في نفسه وأهل بيته فشنوا حربًا نفسية مريرة من خلال حادثة الافك التي اختلقوها.
ولندع الصحابي زيد بن أرقم وهو شاهد عيان ومشارك في الحادث الأول يحكي خبر ذلك قال: "كنت في غزاة (٢) فسمعت عبد الله بن أبي يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، ولئن رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي (٣) - أو لعمر - فذكره للنبي ﷺ فدعاني فحدثته، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا. فكذبني رسول الله ﷺ وصدقه، فأصابني هم لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت، فقال لي عمي: ما أردت إلى أن كذبك رسول الله ﷺ ومقتك؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ (٤) فبعث إلى رسول الله ﷺ، فقرأ، فقال: "إن الله قد صدقك يا زيد" (٥).
(١) مغازي الواقدي ١/ ٤٠٤.
(٢) صرحت الروايات الأخرى بأنها غزوة بني المصطلق (أنظر مسند أحمد ٣/ ٣٩٢ - ٣٩٣ بإسناد صحيح، وفتح الباري ٨/ ٦٤٩ من مستخرج الاسماعيلي بزيادة صحيحة، والترمذي: سنن ٥/ ٩٠ وقال هذا حديث حسن صحيح).
(٣) يريد بعمه سعد بن عبادة وهو رأس الخزرج، وليس عمه حقيقة، وأما عمر فهو ابن الخطاب (فتح الباري ٨/ ٦٤٥).
(٤) سورة المنافقين: آية ١، وكان نزولها في طريق العودة من الغزوة (الترمذي: سنن حديث رقم ٣٣١٢ وقال: هذا حديث حسن صحيح).
(٥) صحيح البخاري ٦/ ٦٣ ط استانبول وصحيح مسلم ٨/ ١١٩.