وأسقط في يد المسلمين، ففر كثيرون منهم من ميدان القتال، وانتحى بعضهم جانبا فجلس دون قتال (١) في حين آثر آخرون الموت على الحياة بعد فقد رسول الله ﷺ منهم أنس بن النضر الذي كان يأسف لعدم شهوده بدرا ويقول: "والله لئن أراني الله مشهدا مع رسول الله ﷺ ليرين الله كيف أصنع". فلما رأى في أحد بعض المسلمين جلوسا محتارين صاح "واها لريح الجنة أجد دون أحد" فقاتل حتى قتل ووجد في جسده بضع وثمانون أثرا من بين ضربة ورمية وطعنة حتى ما عرفته أخته الربيع بنت النضر إلا ببنانه، ونزلت فيه وفي أمثاله من المجاهدين الصادقين هذه الآية ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (٢). وقد أرسل الرسول ﷺ زيد بن ثابت بعد المعركة يتفقد أنس بن النضر، فوجده بين القتلى وبه رمق فما كان منه - بعد أن رد علي سلام الرسول ﷺ إلا أن قال: "أجدني أجد ريح الجنة، وقل لقومي من الأنصار: لا عذر لكم عند الله أن يخلص إلى رسول الله ﷺ وفيكم شفر يطرف. وفاضت عينه (٣). فما أروعها من وصية وما أقواه من التزام لا يؤثر فيه الموت وآلام الجراحات!!.
وقد حكى القرآن خبر فرارهم والعفو عنهم فقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٤). ويبدو أنهم ترخصوا في الفرار لسماعهم بخبر قتل الرسول ﷺ (٥) وكان أول من عرف بأن الرسول ﷺ حي هو كعب بن مالك فنادى
(١) انظر عن قعود البعض سيرة ابن هشام ٣/ ٣٣ وتفسير الطبري ٧/ ٢٥٦.
(٢) ابن المبارك: كتاب الجهاد ٦٣ والبخاري (فتح الباري ٦/ ٢١، ٧/ ٢٧٤، ٨/ ٥١٧). وانظر عن سبب النزول أيضا وأنه في مصعب (الحاكم: المستدرك ٣/ ٢٠٠) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي.
(٣) من رواية ابن إسحق بإسناد رجاله ثقات (مجمع البحرين ٢/ ٢٣٩ وشرح المواهب ٢/ ٤٤).
(٤) سورة آل عمران: آية ١٥٥.
(٥) ابن الجوزي: زاد المسير ١/ ٤٨٣.