497

The Authentic Comprehensive Biography of the Prophet

الجامع الصحيح للسيرة النبوية

Daabacaha

مكتبة ابن كثير

Daabacaad

الأولى

Sanadka Daabacaadda

١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م

Goobta Daabacaadda

الكويت

وإن كان كلام الرسول ﷺ لكما قال الجاحظ:
(هو الكلام الذي قل عدد حروفه، وكثر عدد معانيه، وجل عن الصنعة، ونزه عن التكلف .. استعمل المبسوط في موضع البسط، والمقصور في موضع القصر، وهجرَ الغريب الوحشيّ، ورغب عن الهجين السوقي، فلم ينطق إلا (١) عن ميراث حكمة، ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة، وشد بالتأييد، ويسر بالتوفيق، وهذا الكلام الذي ألقى الله تعالى المحبة عليه، وغشاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حُسن الإفهام، وقلة عدد الكلام، هو مع استغنائه عن إعاداته، وقلة حاجة السامع إلى معاودته، لم تسقط له كلمة، ولا زلّت له قدم، ولا بارتْ له حجة، ولم يقم له خصم، ولا أفحمه خطيب، بل يبذّ (٢) الخطب الطوال بالكلام القصير، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتج إلا بالصدق، ولا يطلب الفلَج (٣) إلا بالحق، ولا يستعن بالخلابة، ولا يستعمل المواربة، ولا يهمز ولا يلمز، ولا يبطئ ولا يعجل، ولا يسهب ولا يحصر، ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعًا، ولا أصدق لسانًا لفظًا، ولا أعدل وزنًا، ولا أجمل مذهبًا، ولا أكرم مطلبًا، ولا أحسن موقعًا، ولا أسهل مخرجًا، ولا أفصح عن معناه، ولا أبين عن فحواه، من كلامه ﷺ)!
(ولا نعلم أن هذه الفصاحة قد كانت له ﷺ إلا توفيقًا من الله وتوقيفًا، إذ ابتعثه للعرب، وهم قوم يقادون من ألسنتهم، ولهم المقامات المشهورة في

(١) في المرجع السابق بدون (إلا) وهي في: خاتم النبيّين: ١: ٢٢٧ ونقلنا منه زيادات في بعض الألفاظ.
(٢) في خاتم النبيّين: (بل يبدأ) انظر: المرجع السابق.
(٣) الفلج: الظّفَر، يقال: فلك بحاجته وبحجته: أحسن الإدلاء بها فغلب خصمه: المعجم الوسيط (فلج).

2 / 514