الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ).
فالآية صريحة في أن بيان الرسول ﷺ للكتاب مقصور على الذي اختلفوا فيه دون ما لم يختلفوا فيه.
والقرينة الثانية: قرينة حالية تتمثل في واقع القرآن الكريم وأمر من نزل بلسانهم العربي المبين، فإن واقع أمر القرآن وأمر من أنزل بلسانهم أن فيه كثيرًا من البينات، بل قل بدهية البيان نفسها بالنسبة لكل ذي حظ من معرفة هذا اللسان فضلًا عن أهله الخلص، فلا يسيغ لذي منطق مع هذا أن يقوم ﷺ ببيان أمثال هذه الجليات.
الوجه الثاني: أننا إذا سلمنا ببقاء ما في القرآن الكريم على العموم الصالح؛ لأن يندرج تحته جميع اللفظ والمعنى، فإننا لابد أن ننظر إلى سياق القول الكريم الذي نزل فيه وحديثه عنه، وذلك أن قوله ﷾: (نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) وصلة (مَا)، فيفيد قطعًا أن حديث هذا العموم هو عن المنزل فحسب، لا عما لم ينزل أيضًا.
وأقول: عرفنا أن جميع الألفاظ منزل، وأن بعض المعاني منزل عليه ﷺ وبعضها غير منزل بطبيعة الحال؛ لأن (مَا) لا تدل على العموم هنا.
وأما استدلالهم بما روي عن عثمان وابن مسعود وغيرهما من أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات من القرآن لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها، فهو استدلال لا ينتج المدعى؛ لأن غاية ما يفيده، أنهم كانوا لا يجاوزون ما تعلموه من القرآن حتى يفهموا المراد منه، وهو أعم من أن يفهموه من النبي ﷺ أو من غيره من إخوانهم، أو من تلقاء أنفسهم حسبما يفتح اللَّه به عليهم من النظر والاجتهاد.
وأما استدلالهم بأن الصحابة كانوا يفهمون القرآن ويعرفون معانيه فمردود بأن العادة إنما جرت باستشراح -أي: طلب شرح- ما يشكل فهمه فحسب، فأما الواضح الذي لا يشكل فهمه ولا يشتبه أمره، فإن طلب شرح مثله ضرب من العبث واستنفاد الوقت والجهد في غير طائل، وهذا ما لا يمكن أن يفعله صحابة رسول اللَّه ﷺ.
أما الأثر الوارد فلا يدل أيضًا لأن وفاة النبي ﷺ قبل أن يبين لهم آية الربا لا تدل على