Tafsir al-Baghawi
تفسير البغوي
Tifaftire
حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش
Daabacaha
دار طيبة للنشر والتوزيع
Daabacaad
الرابعة
Sanadka Daabacaadda
١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م
Gobollada
•Turkmenistan
Imbaraado iyo Waqtiyo
Seljuq
قَوْلُهُ ﷿: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي: أَرِقَّاءَ رُحَمَاءَ، لِقَوْلِهِ ﷿: "وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ"، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْهَوَانَ، بَلْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ جَانِبَهُمْ لَيِّنٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الذُّلِّ مِنْ قَوْلِهِمْ دَابَّةٌ ذَلُولٌ، يَعْنِي أَنَّهُمْ مُتَوَاضِعُونَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا"، ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أَيْ: أَشِدَّاءَ غِلَاظٍ عَلَى الْكُفَّارِ يُعَادُونَهُمْ وَيُغَالِبُونَهُمْ، مِنْ قَوْلِهِمْ: عَزَّهُ أَيْ غَلَبَهُ، قَالَ عَطَاءٌ: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ: كَالْوَلَدِ لِوَالِدِهِ وَالْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ: كَالسَّبُعِ عَلَى فَرِيسَتِهِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: "أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ". ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ يَعْنِي: لَا يَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَ النَّاسِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يُرَاقِبُونَ الْكُفَّارَ وَيَخَافُونَ لَوْمَهُمْ، وَرُوِّينَا عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: "بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ" (١) .
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَيْ مَحَبَّتُهُمْ لِلَّهِ وَلِينُ جَانِبِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَشِدَّتُهُمْ عَلَى الْكَافِرِينَ، مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ حِينَ تَبَرَّأَ عُبَادَةُ مِنَ الْيَهُودِ، وَقَالَ: أَتَوَلَّى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا، فَنَزَلَ فِيهِمْ مِنْ قَوْلِهِ: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ"، إِلَى قَوْلِهِ: "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا" (٢) يَعْنِي عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَأَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٣) . وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قَوْمَنَا قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ قَدْ هَجَرُونَا وَفَارَقُونَا وَأَقْسَمُوا أَنْ لَا يُجَالِسُونَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَقَرَأَهَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ رَضِينَا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ أَوْلِيَاءَ" (٤) . وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾
(١) أخرجه البخاري في الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس: ١٣ / ١٩٢، وفي الفتن، وأخرجه مسلم في الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، برقم (١٧٠٩): ٣ / ١٤٧٠، والمصنف في شرح السنة: ١٠ / ٤٦.
(٢) ما بين القوسين ساقط من "ب".
(٣) انظر ما سبق، سبب نزول الآية (٥١) من السورة، والطبري: ١٠ / ٤٢٤.
(٤) أخرجه الواحدي في أسباب النزول، (٢٣٠) عن جابر وعن ابن عباس، وعزاه السيوطي لابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس بنحوه، الدر المنثور ٣ / ١٠٥.
3 / 72