759

Sharh Usul I'tiqad Ahl al-Sunnah by Al-Lalika'i - Hasan Abu Ashbal

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - حسن أبو الأشبال

Gobollada
Masar
حديث أبي بن كعب في القدر
قال: [عن ابن الديلمي قال: وقع في نفسي شيء من القدر، فأتيت أبي بن كعب].
لما لمسألة القدر من أهمية عظيمة، إذ هي أعظم ما يمكن أن تتعامل معها، وهي السلاح التي تسلم به بين يدي الله ﷿ وتطمئن به في الدنيا، وهو أن تقول: آمنا وسلمنا وصدقنا، والخير والشر من عند الله ﷿.
ولذلك حينما سئل أحمد عن القدر؟ قال: هو قدرة الله ﷿.
واستدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠].
فحينما تسمع هذا التفسير، أو معتقد أحمد في القدر تقول: قد أجاب أحمد إجابة بعيدة جدًا! فنحن نسأله عن معتقده في القدر وهو يقول: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠].
إذًا: فنحن نعرف هذا، وإذا كنت تعرفه فهذا هو القدر.
[عن ابن الديلمي قال: وقع في نفسي شيء من القدر، فأتيت أبي بن كعب فقلت: يا أبا المنذر -وهي كنية أُبي -: إنه وقع في نفسي شيء من القدر، وقد خشيت أن يكون فيه هلاك ديني أو أمري].
أي: أخاف أن يكون هذا الذي يدور في نفسي فيه هلاكي، [فحدثني من ذلك بشيء لعل الله أن ينفعني].
أي: فأنقذني وعلمني.
[فقال] أي: أُبي نصًا رائعًا فيما يتعلق بالإيمان بالقدر، قال: [لو عذب الله أهل سماواته].
أي: من الملائكة، مع أنهم مجبولون ومفطورون على طاعة الله ﷿.
[وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم]، وهذا هو معتقد أُبي، بل هو معتقد السلف.
وأنت سوف تقول في قوله: (لو عذب الملائكة): لماذا يعذبهم وهم أهل طاعة، ولا يمكن قط أن تصدر منهم معصية؟ سأقول لك: إن المصيبة هي فيما تقوله، إذ إن معتقدنا الصحيح من الملائكة: أنهم مجبولون على الطاعة، فإن نفسهم هو التسبيح والذكر والتهليل، وهم لا يملون ولا يفترون من طاعة الله ﷿، والمعصية هذه لا تخطر لهم على بال نهائيًا، والله ﵎ خلقهم من نور، ونزع منهم الشهوة، ولا شهوة لهم إلا شهوة حب الله، وشهوة الذكر والتسبيح والتهليل، والسجود والركوع لله ﷿، فإذا عذبهم فإنه يعذبهم وهو غير ظالم لهم لأنهم عبيده.
وهنا لا بد أن نرجع إلى مسألة أخرى، وهي: هل يجوز أن ننسب الظلم لله ﷿؟ ولو أنك نسبت الله تعالى إلى الظلم، أو نسبت الظلم إليه لكفرت.
وهذا محل اتفاق بين كل الناس، فننفي الظلم عن الله ﷿ أولًا، سواء عذب من شاء أو رحم من شاء، ولو عذب أهل السماوات وأهل الأرض فإنه لا يكون ظالمًا؛ لأن الظلم صفة نقص لا تليق إلا بالعباد، بل ببعض العباد، وليس كل العباد ظالمًا، وإنما كثرة من العباد ظالمة.
فإذا كان بعض العباد يتصف بالعدل والحكمة فرب العباد أولى بذلك، والله ﵎ قد سمى نفسه بأسماء الكمال كله، والنقص لا يُنسب إلى الله ﷿، والظلم صفة نقص لا تليق إلا بالمخلوق، ومقابلها تمام العدل، وهو الذي يليق بالله ﷿، فسواء عذب فلانًا أو رحم فلانًا، فلا ننسب إليه الظلم قط.
بل نقول: إن الله تعالى إذا عذب أهل السماوات وأهل الأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم.
أي: إنه عذبهم بعدله.
ونحن نعلم أن طاعة الطائع لا تنفع المولى ﷿، كما أن معصية العاصي لا تضر الله ﷿.
إذًا: فعذابه لذلك الظالم أو لذلك العاصي إنما هو يعدله سبحانه، وإنما هو جزاؤه عند ربه على معصيته التي عصى بها، لكن الله ﵎ عدلًا منه ورحمة وعد ألا يعذب إلا العاصي، بل مجمل العصاة يدخلون في مشيئة الله ﷿، إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم.
قال: [ولو رحمهم -أي: أهل السماوات والأرض- كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم].
فلا يقولن أحد معكم: لا، فأنا أدخل الجنة بعملي! فقد أخرج الحاكم في مستدركه حديثًا لا بأس به، وهو حسن في الشواهد: (أن رجلًا عبد الله ستمائة سنة، فلما مات أوقفه الله ﷿ بين يديه، وقال: عبدي تدخل الجنة بعملك أم برحمتي؟ فقال: بل يا رب! بعملي -وهنا يظهر لنا مدى سعة رحمة الله ﷿ فقال الله ﷿: عبدي من قواك على طاعتي؟ -من الذي أعطاك الصحة التي عبدت بها؟ - قال: أنت يا رب!).
إذًا الأصل في الرحمة هو الله ﷿، ثم عدد الله ﷿ عليه نعمه حتى بلغ إلى نعمة النظر، فأمر الله ملائكته أن يضعوا عبادة ستمائة سنة في كفة ونعمة النظر في كفة لوحدها، فطاشت بتلك العبادة، وثقل الميزان بنعمة النظر، مع أن الأعمى له أن يعبد الله ﵎ على تلك الحال، بخلاف المريض أو المكسر أو المكسح، فإنه لو نام في الفراش فربما لا يقدر أن يصلي، وكذلك لو ذهبت منه نعمة العقل فإنه لا يستطيع أن يأتي بطاعة لله ﷿، وليس مكلفًا بطاعة؛ لأنه ليس من أهل التكليف.
وبعد أن رأى العبد أن عبادته لا تساوي نعمة واحدة، مع أن نعم الله لا تعد ولا تحصى.
قال الله ﷿: أدخلوا عبدي

38 / 11