516

Sharh Usul I'tiqad Ahl al-Sunnah by Al-Lalika'i - Hasan Abu Ashbal

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - حسن أبو الأشبال

Gobollada
Masar
أدلة إثبات صفة النفس لله تعالى
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد: فإن العقيدة هي أهم شيء في حياة المسلم، وأهم شيء في العقيدة هو أن تعتقد في ذات الإله ﵎ ما يجب له وما يستحيل عليه، وما يستحيل عليه هو ما لا يجوز نسبته إلى الله ﷿، وهي جميع صفات النقص.
وما يجب إثباته لله ﷿ هو جميع صفات الكمال التي أثبتها لنفسه ﷾، وأثبتها له رسوله الكريم ﷺ، ومما أثبته الله ﵎ لنفسه وأثبته له رسوله الكريم: (صفة النفس).
و
السؤال
هل لله نفس؟
الجواب
نعم.
لله نفس؛ لأن هذه الصفة ثبتت في الكتاب وثبتت في السنة الصحيحة، فإذا ثبتت في الكتاب فلابد وأن نسلم؛ لأن الله تعالى أعلم بنفسه من غيره، وإذا جاءت على لسان رسوله، فلابد وأن نقر بأن النبي ﵊ هو أعلم الخلق بربه، وأن نسلم له حتى وإن لم يكن ما قاله يتناسب مع عقولنا؛ لأن الله ﵎ فوق حد العقول، ولا يمكن لعقل أن يحيط بالله ﷿؛ لا بأسمائه ولا صفاته ولا ذاته.
فإذا كان عقلك يستجيز أن ذات الله ﵎ لا يمكن الإحاطة بها، فلم تقول: إنه لا يعقل أن يكون لله نفس أو يد أو عين أو ساق؟ لم تستبعد هذا وتستقرب ذاك والجميع واحد، والكلام في صفة النفس كالكلام في بقية الصفات؟ صفة النفس جاء ذكرها في كتاب الله ﷿، قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨].
وقال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤].
وقال تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١].
فهذه ثلاث آيات في كتاب الله ﷿ -ويوجد غيرها- تثبت أن الله ﵎ نفسًا.
والنفس بإسكان الفاء؛ لأن لله ﵎ نفس بتحريك الفاء، وقال النبي ﵊ في ثنائه على الله ﷿: (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك).
فأثبت الحديث أن لله تعالى نفسًا.
وقال النبي ﵊ في حديث أبي هريرة وهو قطعة من حديث طويل قدسي: (قال الله ﷿: وإذا ذكرني -أي: عبدي- في نفسه ذكرته في نفسي).
وبهذه الأدلة يجب علينا أن نثبت أن لله تعالى نفسًا.
وبعض أهل العلم ادعى المشاكلة في الآية الكريمة: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦] فقالوا: سبب المشاكلة أن الله ﵎ عبر بما هو في معقول العباد، وما هو في مفهومهم حتى يقرب إليهم المعنى، وليست النفس هنا حقيقة، ولكن الله عبر بشيء يعلمه المخاطب، وهذا باب المشاكلة أو المقابلة.
يعني: ذكر النفس في مقابل النفس، ولكن النفس في البشر حقيقة، كما قال عيسى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ [المائدة:١١٦]، ونفس البشر معلومة، والله ﵎ منزه عن النفس.
لماذا تنزهون الله ﵎ عما أثبته هو لنفسه، وما أثبته له رسوله؟ أأنتم أعلم أم الله؟ أأنتم أعلم أم النبي ﵊؟ هذه دعوى غير واردة بل باطلة؛ لأن النصوص الأخرى كلها وردت دون مقابلة أو مشاكلة.
أيضًا: ذكرت النفس في هذه الآية: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦].
هو من كلام عيسى ﵇، والله ﵎ إنما تكلم بهذا الكلام على لسان عيسى؛ فأين المشاكلة وأين المقابلة؟ أيضًا: أن الله ﵎ يعلم السر وأخفى، فإذا كلمه عبد من عباده أو نبي من أنبيائه أو رسول من رسله فإنه يعلم ذلك حتى قبل أن يتكلم، فلا مشاكلة هنا ولا داعي للمقابلة.
كذلك لو سلمنا جدلًا بأن الله ﵎ ساق هذا على سبيل المشاكلة والمقابلة -وهي دعوى عريضة لا دليل عليها- فهل ذكر النفس في الأدلة الأخرى والأحاديث الصحيحة الثابتة أيضًا جاء على سبيل المشاكلة والمقابلة؟
الجواب
لا.
لأنه تعالى قال: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١].
أين المشاكلة هنا وأين المقابلة؟ والمقابلة: هي ذكر النص في مقابل نص، فقوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ لم تذكر فيه إلا نفس واحدة وهي نفس الله ﵎، فلابد من إثبات النفس لله ﷿، وليس هناك ما يدعو إلى التأويل أو التحريف؛ إذ شأن النفس كشأن الصفات الخبرية الذاتية الكثيرة التي تعرضنا لمعظمها وسنتعرض لباقيها إن شاء الله تعالى.

27 / 2