Sharh Nahj Balagha
شرح نهج البلاغة
Tifaftire
محمد عبد الكريم النمري
Daabacaha
دار الكتب العلمية
Daabacaad
الأولى
Sanadka Daabacaadda
1418 AH
Goobta Daabacaadda
بيروت
وعندي أن هذا الخبر لو صح لم يكن على أمير المؤمنين فيه غضاضة ولا قدح ، لأن الأمة مجمعة على أنه لو نكح ابنة أبي جهل ، مضافا إلى نكاح فاطمة عليها السلام لجاز ، لأنه داخل تحت عموم الآية المبيحة للنساء الأربع ، فابنة أبي جهل المشار إليها كانت مسلمة ، لأن هذه القصة كانت بعد فتح مكة ، وإسلام أهلها طوعا وكرها ، ورواة الخبر موافقون على ذلك ، فلم يبق إلا أنه إن كان هذا الخبر صحيحا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى فاطمة عليها السلام قد غارت ، وأدركها ما يدرك النساء ، عاتب عليا عليه السلام عتاب الأهل ، وكما يستثبت الوالد رأي الولد ، ويستعطفه إلى رضا أهله وصلح زوجته . ولعل الواقع كان بعض هذا الكلام فحرف وزيد فيه . ولو تأملت أحوال النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته ، وما كان يجري بينه وبينهن من الغضب تارة ، والصلح أخرى ، والسخط تارة والرضا أخرى ، حتى بلغ الأمر إلى الطلاق مرة ، وإلى الإيلاء مرة ، وإلى الهجر والقطيعة مرة ، وتدبرت ما ورد في الروايات الصحيحة مما كن يلقينه عليه السلام به ، ويسمعنه إياه ، لعلمت أن الذي عاب الحسدة والشانئون عليا عليه السلام به بالنسبة إلى تلك الأحوال قطرة من البحر المحيط ، ولو لم يكن إلا قصة مارية وما جرى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين تينك الامرأتين من الأحوال والأقوال ، حتى أنزل فيهما قرآن يتلى في المحاريب ، ويكتب في المصاحف ، وقيل لهما ما لا يقال للإسكندر ملك الدنيا لو كان حيا ، منابذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ' وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير ' ، ثم أردف بعد ذلك بالوعيد والتخويف : ' عسى ربه إن طلقكن . . . ' الآيات بتمامها . ثم ضرب لهما مثلا امرأة نوح وامرأة لوط اللتين خانتا بعليهما ، فلم يغنيا عنهما من الله شيئا ؛ وتمام الآية معلوم . فهل ما روي في الخبر من تعصب فاطمة على علي عليه السلام وغيرتها من تعريض بني المغيرة له بنكاح عقيلتهم ، إذا قويس إلى هذه الأحوال وغيرها مما كان يجري إلا كنسبة التأفيف إلى حرب البسوس ! ولكن صاحب الهوى والعصبية لا علاج له . ثم نعود إلى حكاية كلام شيخنا أبي جعفر الإسكافي رحمه الله تعالى . قال أبو جعفر : وروى الأعمش ، قال : لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة ، جاء إلى مسجد الكوفة ، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه ، ثم ضرب صلعته مرارا ، وقال : يا أهل العراق ، أتزعمون أني أكذب على الله وعلى رسوله ، وأحرق نفسي بالنار ! والله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ' إن لكل نبي حرما ، وإن حرمي بالمدينة ، ما بين عير إلى ثور ، فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ' ، وأشهد بالله أن عليا أحدث فيها ؛ فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه وولاه إمارة المدينة .
قلت : أما قوله : ما بين عير وثور ، فالظاهر أنه غلط من الراوي ، لأن ثورا بمكة وهو جبل يقال له ثور أطحل ، وفيه الغار الذي دخله النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ، وإنما قيل أطحل لأن أطحل بن عبد مناف بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن عدنان كان يسكنه . وقيل : اسم الجبل أطحل ، فأضيف ثورا إليه : وهو ثور بن عبد مناف ، والصواب : مابي عير إلى أحد .
فأما قول أبي هريرة : إن عليا أحدث في المدينة ، فحاش لله ! كان علي عليه السلام أتقى لله من ذلك ؛ والله لقد نصر عثمان نصرا لو كان المحصور جعفر بن أبي طالب لم يبذل له إلا مثله .
قال أبو جعفر : وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضي الرواية ، ضربه عمر بالدرة ، وقال : قد أكثرت من الرواية وأحر بك أن تكون كاذبا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ! وروى سفيان الثوري عن منصور ، عن إبراهيم التيمي ، قال : كانوا لا يأخذون عن أبي هريرة إلا ما كان من ذكر جنة أو نار .
وورى أبو أسامة عن الأعمش ، قال : كان إبراهيم صحيح الحديث ، فكنت إذا سمعت الحديث أتيته فعرضته عليه ، فأتيته يوما بأحاديث من حديث أبي صالح عن أبي هريرة ، فقال : دعني من أبي هريرة ، إنهم كانوا يتركون كثيرا من حديثه .
وقد روي عن علي عليه السلام أنه قال : ألا إن أكذب الناس - أو قال : أكذب الأحياء - على رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو هريرة الدوسي .
وروى أبو يوسف ، قال : قلت لأبي حنيفة : الخبر يجيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ يخالف قياسنا ما تصنع به ؟ قال : إذا جاءت به الرواة الثقات عملنا به وتركنا الرأي ، فقلت : ما تقول في رواية أبي بكر وعمر ؟ فقال : ناهيك بهما ! فقلت : علي وعثمان ، قال : كذلك ، فلما رآني أعد الصحابة قال : والصحابة كلهم عدول ما عدا رجالا ، ثم عد منهم أبا هريرة وأنس ابن مالك .
Bogga 40