617

Sharh Nahj Balagha

شرح نهج البلاغة

Tifaftire

محمد عبد الكريم النمري

Daabacaha

دار الكتب العلمية

Daabacaad

الأولى

Sanadka Daabacaadda

1418 AH

Goobta Daabacaadda

بيروت

Gobollada
Ciraaq
•
Imbaraado iyo Waqtiyo
Cabbasiyiin

وعندي أن هذا الخبر لو صح لم يكن على أمير المؤمنين فيه غضاضة ولا قدح ، لأن الأمة مجمعة على أنه لو نكح ابنة أبي جهل ، مضافا إلى نكاح فاطمة عليها السلام لجاز ، لأنه داخل تحت عموم الآية المبيحة للنساء الأربع ، فابنة أبي جهل المشار إليها كانت مسلمة ، لأن هذه القصة كانت بعد فتح مكة ، وإسلام أهلها طوعا وكرها ، ورواة الخبر موافقون على ذلك ، فلم يبق إلا أنه إن كان هذا الخبر صحيحا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى فاطمة عليها السلام قد غارت ، وأدركها ما يدرك النساء ، عاتب عليا عليه السلام عتاب الأهل ، وكما يستثبت الوالد رأي الولد ، ويستعطفه إلى رضا أهله وصلح زوجته . ولعل الواقع كان بعض هذا الكلام فحرف وزيد فيه . ولو تأملت أحوال النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته ، وما كان يجري بينه وبينهن من الغضب تارة ، والصلح أخرى ، والسخط تارة والرضا أخرى ، حتى بلغ الأمر إلى الطلاق مرة ، وإلى الإيلاء مرة ، وإلى الهجر والقطيعة مرة ، وتدبرت ما ورد في الروايات الصحيحة مما كن يلقينه عليه السلام به ، ويسمعنه إياه ، لعلمت أن الذي عاب الحسدة والشانئون عليا عليه السلام به بالنسبة إلى تلك الأحوال قطرة من البحر المحيط ، ولو لم يكن إلا قصة مارية وما جرى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين تينك الامرأتين من الأحوال والأقوال ، حتى أنزل فيهما قرآن يتلى في المحاريب ، ويكتب في المصاحف ، وقيل لهما ما لا يقال للإسكندر ملك الدنيا لو كان حيا ، منابذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ' وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير ' ، ثم أردف بعد ذلك بالوعيد والتخويف : ' عسى ربه إن طلقكن . . . ' الآيات بتمامها . ثم ضرب لهما مثلا امرأة نوح وامرأة لوط اللتين خانتا بعليهما ، فلم يغنيا عنهما من الله شيئا ؛ وتمام الآية معلوم . فهل ما روي في الخبر من تعصب فاطمة على علي عليه السلام وغيرتها من تعريض بني المغيرة له بنكاح عقيلتهم ، إذا قويس إلى هذه الأحوال وغيرها مما كان يجري إلا كنسبة التأفيف إلى حرب البسوس ! ولكن صاحب الهوى والعصبية لا علاج له . ثم نعود إلى حكاية كلام شيخنا أبي جعفر الإسكافي رحمه الله تعالى . قال أبو جعفر : وروى الأعمش ، قال : لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة ، جاء إلى مسجد الكوفة ، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه ، ثم ضرب صلعته مرارا ، وقال : يا أهل العراق ، أتزعمون أني أكذب على الله وعلى رسوله ، وأحرق نفسي بالنار ! والله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ' إن لكل نبي حرما ، وإن حرمي بالمدينة ، ما بين عير إلى ثور ، فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ' ، وأشهد بالله أن عليا أحدث فيها ؛ فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه وولاه إمارة المدينة .

قلت : أما قوله : ما بين عير وثور ، فالظاهر أنه غلط من الراوي ، لأن ثورا بمكة وهو جبل يقال له ثور أطحل ، وفيه الغار الذي دخله النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ، وإنما قيل أطحل لأن أطحل بن عبد مناف بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن عدنان كان يسكنه . وقيل : اسم الجبل أطحل ، فأضيف ثورا إليه : وهو ثور بن عبد مناف ، والصواب : مابي عير إلى أحد .

فأما قول أبي هريرة : إن عليا أحدث في المدينة ، فحاش لله ! كان علي عليه السلام أتقى لله من ذلك ؛ والله لقد نصر عثمان نصرا لو كان المحصور جعفر بن أبي طالب لم يبذل له إلا مثله .

قال أبو جعفر : وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضي الرواية ، ضربه عمر بالدرة ، وقال : قد أكثرت من الرواية وأحر بك أن تكون كاذبا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ! وروى سفيان الثوري عن منصور ، عن إبراهيم التيمي ، قال : كانوا لا يأخذون عن أبي هريرة إلا ما كان من ذكر جنة أو نار .

وورى أبو أسامة عن الأعمش ، قال : كان إبراهيم صحيح الحديث ، فكنت إذا سمعت الحديث أتيته فعرضته عليه ، فأتيته يوما بأحاديث من حديث أبي صالح عن أبي هريرة ، فقال : دعني من أبي هريرة ، إنهم كانوا يتركون كثيرا من حديثه .

وقد روي عن علي عليه السلام أنه قال : ألا إن أكذب الناس - أو قال : أكذب الأحياء - على رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو هريرة الدوسي .

وروى أبو يوسف ، قال : قلت لأبي حنيفة : الخبر يجيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ يخالف قياسنا ما تصنع به ؟ قال : إذا جاءت به الرواة الثقات عملنا به وتركنا الرأي ، فقلت : ما تقول في رواية أبي بكر وعمر ؟ فقال : ناهيك بهما ! فقلت : علي وعثمان ، قال : كذلك ، فلما رآني أعد الصحابة قال : والصحابة كلهم عدول ما عدا رجالا ، ثم عد منهم أبا هريرة وأنس ابن مالك .

Bogga 40