Sharh Nahj Balagha
شرح نهج البلاغة
Tifaftire
محمد عبد الكريم النمري
Daabacaha
دار الكتب العلمية
Daabacaad
الأولى
Sanadka Daabacaadda
1418 AH
Goobta Daabacaadda
بيروت
وذكر أبو مخنف في كتاب الجمل أن الأنصار والمهاجرين اجتمعوا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لينظروا من يولونه أمرهم ، حتى غص المسجد بأهله ، فاتفق رأي عمار وأبي الهيثم بن التيهان ورفاعة بن رافع ومالك بن عجلان وأبي أيوب خالد بن يزيد على إقعاد أمير المؤمنين عليه السلام في الخلافة ، وكان أشدهم تهالكا عليه عمار ، فقال لهم : أيها الأنصار ، قد سار فيكم عثمان بالأمس بما رأيتموه ، وأنتم على شرف من الوقوع في مثله إن لم تنظروا لأنفسكم ، وإن عليا أولى الناس بهذا الأمر ، لفضله وسابقته ، فقالوا : رضينا به حينئذ ، وقالوا بأجمعهم لبقية الناس من الأنصار والمهاجرين : أيها الناس ، إنا لن نألوكم خيرا وأنفسنا إن شاء الله ، وإن عليا من قد علمتم ، وما نعرف مكان أحد أحمل لهذا الأمر منه ، ولا أولى به . فقال الناس بأجمعهم : قد رضينا ، وهو عندنا ما ذكرتم وأفضل . وقاموا كلهم ، فأتوا عليا عليه السلام ، فاستخرجوه من داره ، وسألوه بسط يده ، فقبضها فتداكوا عليه تداك الإبل الهيم على وردها ، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا ، فلما رأى منهم ما رأى ، سألهم أن تكون بيعته في المسجد ظاهرة للناس . وقال : إن كرهني رجل واحد من الناس لم أدخل في هذا الأمر .
فنهض الناس معه حتى دخل المسجد ، فكان أول من بايعه طلحة . فقال قبيصة بن ذؤيب الأسدي : تخوفت ألا يتم له أمره ، لأن أول يد بايعته شلاء ، ثم بايعه الزبير ، وبايعه المسلمون بالمدينة إلا محمد بن مسلمة ، وعبد الله بن عمر ، وأسامة بن زيد ، وسعد بن أبي وقاص ، وكعب بن مالك وحسان بن ثابت ، وعبد الله بن سلام .
فأمر بإحضار عبد الله بن عمر ، فقال له : بايع ، قال : لا أبايع حتى يبايع جميع الناس ، فقال له عليه السلام : فأعطني حميلا ألا تبرح ، قال : ولا أعطيك حميلا ، فقال الأشتر : يا أمير المؤمنين ، إن هذا قد أمن سوطك وسيفك ، فدعني أضرب عنقه ، فقال : لست أريد ذلك منه على كره ، خلوا سبيله ، فلما انصرف قال أمير المؤمنين : لقد كان صغيرا وهو سيء الخلق وهو في كبره أسوأ خلقا .
ثم أتى بسعد بن أبي وقاص ، فقال له بايع ، فقال : يا أبا الحسن خلني ، فإذا لم يبق غيري بايعتك ، فوالله لا يأتيك من قبلي أمر تكرهه أبدا ، فقال : صدق ، خلوا سبيله . ثم بعث إلى محمد ابن مسلمة ، فلما أتاه قال له : بايع ، قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني إذا اختلف الناس وصاروا هكذا - وشبك بين أصابعه - أن أخرج بسيفي هذا فأضرب به عرض أحد فإذا تقطع أتيت منزلي ، فكنت فيه لا أبرحه حتى تأتيني يد خاطية ، أو منية قاضية . فقال له عليه السلام : فانطلق إذا ، فكن كما أمرت به .
ثم بعث إلى أسامة بن زيد ، فلما جاء قال له : بايع ، فقال : إني ملاك ولا خلاف مني عليك ، وستأتيك بيعتي إذا سكن الناس . فأمره بالانصراف ، ولم يبعث إلى أحد غيره .
وقيل له : ألا تبعث إلى حسان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، وعبد الله بن سلام ! فقال : لا حاجة لنا فيمن لا حاجة له فينا . فأما أصحابنا فإنهم يذكرون في كتبهم أن هؤلاء الرهط إنما اعتذروا بما اعتذروا به ، لما ندبهم إلى الشخوص معه لحرب أصحاب الجمل ، وأنهم لم يتخلفوا عن البيعة ، وإنما تخلفوا عن الحرب .
وروى شيخنا أبو الحسين رحمه الله تعالى في كتاب الغرر أنهم لما اعتذروا إليه بهذه الأعذار ، قال لهم : ما كل مفتون يعاتب ، أعندكم شك في بيعتي ؟ قالوا : لا ، قال : فإذا بايعتم فقد قاتلتم . وأعفاهم من حضور الحرب .
فإن قيل : رويتم أنه قال : إن كرهني رجل واحد من الناس لم أدخل في هذا الأمر ، ثم رويتم أن جماعة من أعيان المسلمين كرهوا ولم يقف مع كراهتهم .
Bogga 6