419

Sharh Nahj Balagha

شرح نهج البلاغة

Tifaftire

محمد عبد الكريم النمري

Daabacaha

دار الكتب العلمية

Daabacaad

الأولى

Sanadka Daabacaadda

1418 AH

Goobta Daabacaadda

بيروت

Gobollada
Ciraaq
Imbaraado iyo Waqtiyo
Cabbasiyiin

فأما تأويله قول أمير المؤمنين عليه السلام : قتله الله وأنا معه ، على أن المراد به ؛ الله أماته وسيميتني ، فبعيد من الصواب ، لأن لفظة أنا لا تكون كناية عن المفعول ، وإنما تكون كناية عن الفاعل ، ولو أراد ما ذكرناه لكان يقول : وإياي معه ، وليس له أن يقول : إننا نجعل قوله : وأنا معه ، مبتدأ محذوف الخبر ، ويكون تقدير الكلام : وأنا معه مقتول ، وذلك أن هذا ترك للظاهر وإحالة على ما ليس فيه ؛ والكلام إذا أمكن حمله على معنى يستقل ظاهره به من غير تقدير وحذف كان أولى مما يتعلق بمحذوف ، على أنهم إذا جعلوه مبتدأ وقدروا خبرا لم يكونوا بأن يقدروا ما يوافق مذهبهم بأولى من تقدير خلافه ، ويجعل بدلا من لفظة المقتول المحذوفة لفظة معين أو ظهير ، وإذا تكافأ القولان في التقدير وتعارضا سقطا ، ووجب الرجوع إلى ظاهر الخبر ، على أن عثمان مضى مقتولا ، فكيف يقال : إن الله تعالى أماته ، والقتل كاف في انتفاء الحياة ، وليس يحتاج معه إلى ناف للحياة يسمى موتا .

وقول صاحب المغني : يجوز أن يكون ما ناله من الجراح لا يوجب انتفاء الحياة ؛ ليس بشيء ، لأن المروي أنه ضرب على رأسه بعمود عظيم من حديد ، وأن أحد قتلته قال : جلست على صدره فوجأته تسع طعنات ، علمت أنه مات في ثلاث ، ووجأته الست الأخرى لما كان في نفسي عليه من الحنق .

وبعد : فإذا كان جائزا ، فمن أين علمه أمير المؤمنين عليه السلام حتى يقول : إن الله أماته ؟ وإن الحياة لم تنتف بما فعله القاتلون ، وإنما انتفت بشيء على فعلهم من قبل الله تعالى مما لا يعلمه على سبيل التفصيل إلا علام الغيوب سبحانه .

والجواب عن هذه المطاعن على وجهين ، إجمالا وتفصيلا : أما الوجه الإجمالي ، فهو أننا لا ننكر أن عثمان أحدث أحداثا أنكرها كثير من المسلمين ، ولكنا ندعي مع ذلك أنها لم تبلغ درجة الفسق ، ولا أحبطت ثوابه ، وأنها من الصغائر التي وقعت مكفرة ، وذلك لأنا علمنا أنه مغفور له ، وأنه من أهل الجنة لثلاثة أوجه : أحدها : أنه من أهل بدر ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' إن الله اطلع على أهل بدر ، فقال : اعملوا ما شئتم ، فقد غفرت لكم ' ؛ ولا يقال : إن عثمان لم يشهد بدرا ، لأنا نقول : صدقتم ، إنه لم يشهدها ، ولكنه تخلف على رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة لمرضها ، وضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره باتفاق سائر الناس .

وثانيها : أنه من أهل بيعة الرضوان الذين قال الله تعالى فيهم : ' لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ' ، ولا يقال : إنه لم يشهد البيعة تحت الشجرة ، لأنا نقول : صدقتم ، إنه لم يشهدها ، ولكنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله إلى أهل مكة ، ولأجله كانت بيعة الرضوان ، حيث أرجف بأن قريشا قتلت عثمان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' إن كانوا قتلوه ، لأضرمنها عليهم نارا ' ؛ ثم جلس تحت الشجرة ، وبايع الناس على الموت ، ثم قال : ' إن كان عثمان حيا فأنا أبايع عنه ' ، فصفح بشماله على يمينه ، وقال : ' شمالي خير من يمين عثمان ' روى ذلك جميع أرباب أهل السيرة متفقا عليه .

وثالثها : أنه من جملة العشرة الذين تظاهرت الأخبار أنهم من أهل الجنة . وإذا كانت الوجوه الثلاثة دالة على أنه مغفور له ، وأن الله تعالى قد رضي عنه ، وهو من أهل الجنة ، بطل أن يكون فاسقا ، لأن الفاسق يخرج عندنا من الإيمان ، ويحبط ثوابه ، ويحكم له بالنار ولا يغفر له ، ولا يرضى عنه ، ولا يرى الجنة ولا يدخلها ، فاقتضت هذه الوجوه الصحيحة الثابتة أن يحكم بأن كل ما وقع منه فهو من باب الصغائر المكفرة ، توفيقا بين هذه الوجوه ، وبين روايات الأحداث المذكورة .

Bogga 43