377

Sharh Nahj Balagha

شرح نهج البلاغة

Tifaftire

محمد عبد الكريم النمري

Daabacaha

دار الكتب العلمية

Daabacaad

الأولى

Sanadka Daabacaadda

1418 AH

Goobta Daabacaadda

بيروت

Gobollada
Ciraaq
Imbaraado iyo Waqtiyo
Cabbasiyiin

قال : فأما قوله : إن الأحوال المتقررة في النفوس بالعادات فيمن نتولاه تؤثر ما لا يؤثر غيرها ، وتقتضي حمل أفعاله على الصحة والتأول له ، فلا شك أن ما ذكره مؤثر وطريق قوي إلى غلبة الظن ، إلا أنه ليس يقتضي ما يتقرر في نفوسنا لبعض من نتولاه على الظاهر أن نتأول كا ما يشاهد منه من الأفعال التي لها ظاهر قبيح ، ونحمل الجميع على أجمل الوجوه ، وإن كان بخلاف الظاهر ، بل ربما تبين الأمر فيما يقع منه من الأفعال التي ظاهرها القبيح إلى أن تؤثر في أحواله المقررة ، ونرجع بها عن ولايته ؛ ولهذا نجد كثيرا من أهل العدالة المتقررة لهم في النفوس ، ينسلخون منها حتى يلحقوا بمن لا تثبت له في وقت من الأوقات عدالة ، وإنما يكون ذلك بما يتوالى منهم ويتكرر من الأفعال القبيحة الظاهرة . قال : فأما ما استشهد به من أن مثل مالك بن دينار لو شاهدناه في دار فيها منكر لقوي في الظن حضوره لأجل التغيير والإنكار ، أو على وجه الإكراه والغلط وأن غيره يخالفه في هذا الباب ؛ فصحيح لا يخالف ما ذكرناه ؛ لأن مثل مالك بن دينار ممن تناصرت أمارات عدالته وشواهد نزاهته حالا بعد حال ، لا يجوز أن يقدح فيه فعل له ظاهر قبيح ، بل يجب لما تقدم من حاله أن نتاول فعله ، ونخرجه عن ظاهره إلى أجمل وجوهه . وإنما وجب ذلك لأن الظنون المتقدمة أقوى وأولى بالترجيح والغلبة ، فنجعلها قاضية على الفعل والفعلين ، ولهذا متى توالت منه الأفعال القبيحة الظاهرة وتكررت ، قدحت في حاله ، وأثرت في ولايته ، كيف لا يكون كذلك وطريق ولايته في الأصل هو الظن والظاهر ، ولا بد من قدح الظاهر في الظاهر ، وتأثير الظن في الظن على بعض الوجوه .

قال : فأما قوله : فإن كل محتمل لو أخبرنا عنه وهو مما يغلب على صدقه أنه فعله على أحد الوجهين ، وجب تصديقه ، فمتى عرف من حاله المتقررة في النفوس ما يطابق ذلك ، جرى مجرى الإخبار ؛ فأول ما فيه أن المحتمل هو ما لا ظاهر له من الأفعال ، والذي يكون جواز كونه قبيحا كجواز كونه حسنا ، ومثل هذا الفعل لا يقتضي ولاية ولا عداوة ، وإنما يقتضي الولاية ما له من الأفعال ظاهر جميل ، ويقتضي العداوة ما له ظاهر قبيح .

فإن قال : أردت بالمحتمل ما له ظاهر ، لكنه يجوز أن يكون الأمر بخلاف ظاهره .

قيل له : ما ذكرته لا يسمى محتملا ؛ فإن كنت عنيته فقد وضعت العبارة في غير موضعها ، ولا شك في أنه إذا كان ممن لو أخبرنا بأنه فعل الفعل على أحد الوجهين لوجب تصديقه ، وحمل الفعل على خلاف ظاهره ؛ فإن الواجب لما تقرر له في النفوس أن يتأول له ويعدل بفعله عن الوجه القبيح إلى الوجه الجميل ، إلا أنه متى توالت منه الأفعال التي لها ظواهر قبيحة ، فلا بد أن تكون مؤثرة في تصديقه ، متى خبرنا بأن غرضه في الفعل خلاف ظاهره ، كما تكون مانعة من الابتداء بالتأول .

وضربه المثل بأن من نراه يكلم امرأة حسناء في الطريق إذا أخبر أنها أخته أو امرأته في أن تصديقه واجب ، ولو لم يخبر بذلك لحملنا كلامه لها على أجمل الوجوه ؛ لما تقدم له في النفوس - صحيح ، إلا أنه لا بد من مراعاة ما تقدم ذكره ، من أنه قد يقوى الأمر لقوة الأمارات والظواهر إلى حد لا يجوز معه تصديقه ولا التأول له ، ولولا أن الأمر قد ينتهي إلى ذلك لما صح أن يخرج أحد عندنا من الولاية إلى العداوة ، ولا من العدالة إلى خلافها ؛ لأنه لا شيء مما يفعله الفساق المتهتكون إلا ويجوز أن يكون له باطن بخلاف الظاهر ، ومع ذلك فلا يلتفت إلى هذا التجويز ؛ يبين صحة ما ذكرناه أنا لو رأينا من يظن به الخير يكلم امرأة حسناء في الطريق ويداعبها ويضاحكها لظننا به الجميل مرة ومرات ، ثم ينتهي الأمر إلى ألا نظنه . وكذلك لو شاهدناه وبحضرته المنكر ، لحملنا حضوره على الغلط أو الإكراه أو غير ذلك من الوجوه الجميلة . ثم لا بد من انتهاء الأمر إلى أن نظن به القبيح ولا نصدقه في كلامه .

Bogga 192