370

Sharh Nahj Balagha

شرح نهج البلاغة

Tifaftire

محمد عبد الكريم النمري

Daabacaha

دار الكتب العلمية

Daabacaad

الأولى

Sanadka Daabacaadda

1418 AH

Goobta Daabacaadda

بيروت

Gobollada
Ciraaq
Imbaraado iyo Waqtiyo
Cabbasiyiin

ألا وإن الدنيا قد ولت حذاء ، فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء ، اصطبها صابها . ألا وإن الاخرة قد أقبلت ؛ ولكل منهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، فإن كل ولد سيلحق بأمه يوم القيامة ، وإن اليوم عمل ولا حساب ، وغدا حساب ولا عمل .

قال الرضي رحمه الله : أقول : الحذاء ، السريعة . ومن الناس من يرويه : جذاء بالجيم والذال ، أي انقطع درها وخيرها .

الشرح : الصبابة ؛ بقية الماء في الإناء . واصطبها صابها ، مثل قولك : أبقاها مبقيها أو تركها تاركها ، ونحو ذلك ، يقول : أخوف ما أخافه عليكم اتباع الهوى وطول الأمل ، أما اتباع الهوى فيصد عن الحق ؛ وهذا صحيح لا ريب فيه ، لأن الهوى يعمي البصيرة ، وقد قيل : حبك الشيء يعمي ويصم ، ولهذا قال بعض الصالحين : رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي ؛ وذاك لأن الإنسان يحب نفسه ، ومن أحب شيئا عمي عن عيوبه ، فلا يكاد الإنسان يلمح عيب نفسه ، وقد قيل :

أرى كل إنسان يرى عيب غيره . . . ويعمى عن العيب الذي هو فيه

فلهذا استعان الصالحون على معرفة عيوبهم بأقوال غيرهم ، علما منهم أن هوى النفس لذاتها يعميها عن أن تدرك عيبها ، وما زال الهوى مرديا قتالا ، ولهذا قال سبحانه : ' ونهى النفس عن الهوى ' ، وقال صلى الله عليه وسلم : ' ثلاث مهلكات : شح مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه ' .

وأنت إذا تأملت هلاك من هلك من المتكلمين كالمجبرة والمرجئة ، مع ذكائهم وفطنتهم واشتغالهم بالعلوم ، عرفت أنه لا سبب لهلاكتهم إلا هوى الأنفس ، وحبهم الانتصار للمذهب الذي قد ألفوه ، وقد رأسوا بطريقه ، وصارت لهم الأتباع والتلامذة ، وأقبلت الدنيا عليهم ، وعدهم السلاطين علماء ورؤساء ، فيكرهون نقض ذلك كله وإبطاله ، ويحبون الانتصار لتلك المذاهب والآراء التي نشأوا عليها ، وعرفوا بها ، ووصلوا إلى ما وصلوا إليه بطريقها ، ويخافون عار الانتقال عن المذهب ، وأن يشتفي بهم الخصوم ويقرعهم الأعداء ، ومن أنصف علم أن الذي ذكرناه . وأما طول الأمل فينسي الآخرة ، وهذا حق ، لأن الذهن إذا انصرف إلى الأمل ، ومد الإنسان في مداه ، فإنه لا يذكر الآخرة ، بل يصير مستغرق الوقت بأحوال الدنيا ، وما يرجو حصوله منها في مستقبل الزمان .

ومن كلام مسعر بن كدام : كم من مستقبل يوما ليس يستكمله ، ومنتظر غدا ليس من أجله ! ولو رأيتم الأجل ومسيره أبغضتم الأمل وغروره .

Bogga 185