498

Sharh Kitab al-Ibana min Usul al-Diyana

شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة

Noocyada
The Ash'aris
•
Gobollada
Masar
الرد على شبهة أن قبر النبي وصاحبيه داخل المسجد
السؤال
كنت أنصح شخصًاَ من إخواني بعدم الصلاة في المساجد التي فيها قبور، فأثار شبهة وهي: وجود قبر النبي ﵊ وصاحبيه: أبي بكر وعمر في مسجد المدينة، ومع هذا لا قائل بترك الصلاة في هذا المسجد من علماء الأمة، فما ردكم على هذه الشبهة؟
الجواب
هذا كلام صحيح أنه لا قائل قط بترك الصلاة في مسجد المدينة، بل لا يقول ذلك إلا إنسان جاهل لا علم عنده.
أما الجواب عن هذه الشبهة: فإن القبر لم يبن في المسجد، ولم يبن عليه المسجد؛ لأن النبي ﷺ قال: (لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
والمسلمون لم يتخذوا قبر النبي ﷺ مسجدًاَ ابتداءً، والعلماء يفرقون بين بناء المسجد على القبر، وبين أن يبنى المسجد أولًا، ثم يبنى بداخله القبر، فلا هذا ولا ذاك في قبر النبي ﵊.
لكن الوليد بن عبد الملك ﵀ لما أراد توسعة المسجد النبوي، ونحن لسنا في حاجة إلى توسعة مسجد ما، بخلاف حاجة المسلمين عامة في العالم كله إلى توسعة هذه المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال: المسجد النبوي، والأقصى، والمسجد الحرام.
فهذه المساجد في أمس الحاجة إلى توسعة في كل فترة من الزمن، ولذلك يقوم كل واحد في زمانه بتوسعة هذه المساجد شيئًا ما؛ لحاجة الناس.
ولك أن تتصور الآن أن النبي ﵊ حج في حجة الوداع أو في عام الوداع -وهي حجته الوحيدة- وكان معه (١١٤٠٠٠) من المسلمين، وهذا عدد مهول في ذلك الزمان، ولا يزال العدد الآن في ازدياد؛ حتى وصلوا إلى ثلاثة ملايين.
وبلا شك لو كان المسجد الحرام على هيئته الأولى في زمن النبوة؛ فإنه لا يكفي لهذا العدد، ولذلك كانت هذه التوسعة أمرًا لازمًا ضرويًا للحفاظ على حياة الناس، وأنت ترى في كل عام من مواسم الحج آلاف القتلى من الزحام، فلك أن تتصور أن هذه الأماكن النسكية كانت على هيئتها الأولى، فماذا كان سيصنع الناس؟! أقول هذا الكلام كالمقدمة إلى الضرورة الملحة التي جعلت الوليد بن عبد الملك بن مروان يوسع المسجد النبوي، ورغمًا عنه دخل القبر في المسجد بسبب التوسعة، لكن بغير قصد، وائتني بمسجد من مساجد المسلمين عامة دخل فيه القبر بغير قصد، قبر الحسين دخل مسجد الحسين بقصد.
وهكذا كل المساجد التي فيها قبور دخلت القبور فيها بقصد، بل بوصية مكتوبة أو شفهية.
أما الذي حدث بقبر النبي ﵊ فليس بقصد، فضلًا أن هذا المسجد له مكانة عظيمة، وهو محفوظ بحفظ الله.
والنبي ﵊ قد دعا فقال: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد).
فلا زلنا إلى يومنا هذا لا نرى عابدًا لقبر النبي ﵊، بل ولا تجد شخصًا مثلًا يأخذ ترابًا ويضعه على رأسه مثل ما يفعل مثلًا عند قبر الإمام الشافعي، وأنتم تعرفون أن قبر الإمام الشافعي إلى الآن له يوم في السنة يزوره الناس، فيأتي إليه عباد القبور من شرق الأرض وغربها، حتى رأيت أناسًا من أوربا وأمريكا يأتون ليشتروا التراب من كنس المسجد في هذا اليوم بمائة دولار؛ لأنهم يعتقدون في هذا التراب! فهل رأيتم ما الذي يجري حول هذه القبور من الاستغاثة والنذر والذبح والاستعاذة والتضرع والذل والطواف؟ وهل رأيتم مثل هذا عند قبر النبي ﵊؟ ثم إن الأصل تحريم الصلاة في المساجد التي فيها قبور لنفي شبهة الشرك، وليست هذه الشبهة قائمة عند قبر النبي ﵊، وهذا فارق من الفوارق بين مسجد النبي ﷺ وبين غيره من المساجد.
الفارق الثاني: أن هذا القبر محفوظ أن يكون وثنًا، وهناك فرق كبير جدًا بين القبر وبين الوثن، فالوثن: هو ما عبد من دون الله، أما القبر فلا، ولذلك مكان دفن الموتى هو القبور لا المساجد، ثم وجود القبر في مسجد على هذا النحو الذي نراه يحوله من قبر إلى وثن؛ لوجود هذه العبادات حوله، وكلنا يعرف ما يحصل في القبور بشكل واضح، فهذه ليست قبورًا وإنما هي أوثان، فالنبي ﷺ قال: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد).
وأنتم تعلمون أن دعاء النبي ﷺ مستجاب، فسيبقى قبره ﵊ قبرًا فقط، لا وثنًا إلى قيام الساعة؛ بدعوته ﵊.
الفارق الثالث: أن هذا المسجد له خاصية، تختلف عن بقية المساجد، فشد الرحال إليه -أي: إلى المسجد النبوي- مشروع في الإسلام، والصلاة فيه أفضل من الصلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام والمسجد الأقصى.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

23 / 26