Sharh Al-Arba'in Al-Nawawiyah
شرح الأربعين النووية
Noocyada
•Commentaries on Hadiths
Gobollada
•Sacuudi Carabi
Imbaraado iyo Waqtiyo
Al Saʿuud (Najd, Hijaz, Sacuudiga casriga ah), 1148- / 1735-
وجه تحريم الله الظلم على نفسه ونفيه عنه
يقول الله ﷿ في هذا الحديث: (يا عبادي!) وهي أول هذه الجمل العشر (يا عبادي! إن حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا).
فالله ﷿ أخبر أنه حرم الظلم على نفسه، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وقد حرم الله على نفسه الظلم، فلا يقع منه الظلم أبدًا، وهو منزه عنه، ونفي الظلم عن الله ﷿ هو من قبيل النفي الذي جاء في الكتاب والسنة، ومتضمن إثبات كمال ضد ذلك المنفي، فقد جاء في القرآن آيات عديدة فيها نفي الظلم عن الله ﷿، كما قال الله ﷿: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] وقال ﷿: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢].
كل هذه الآيات وأمثالها التي فيها نفي الظلم عن الله ﷿ تدل على إثبات كمال ضد ذلك المنفي الذي هو الظلم، أي: يدل على إثبات كمال عدله ﷾، وأن الله تعالى متصف بالعدل على التمام والكمال، وهكذا النفي في الكتاب والسنة عندما يأتي فهو نفي متضمن إثبات كمال، وليس كالنفي الذي يكون عند المتكلمين الذي يؤدي إلى نفي الموجود ويؤدي إلى أن الله تعالى لا وجود له، حيث يقولون: ليس بكذا وليس بكذا.
وكل صفة تنفى عندهم عن الله، فيئول الأمر إلى أنه لا يبقى وجود لله ﷿، والنفي في الكتاب والسنة إنما يأتي متضمنًا إثبات كمال لله ﷾، فقوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] لبيان كمال عدله، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [فاطر:٤٤] لبيان كمال قوته، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] لبيان كمال قدرته ﷾، يعني: ما مسنا من تعب ولا نصب ولا إعياء.
إذًا: فكل نفي جاء في الكتاب والسنة يدل على إثبات كمال ضده في حق الله ﷾، وهو ضد ذلك المنفي، فنفي العجز يدل على إثبات كمال القوة وكمال القدرة، ونفي الظلم يدل على إثبات كمال العدل.
فمنهج سلف هذه الأمة أنهم يثبتون لله ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه ونفاه عنه رسوله ﷺ، وهذا النفي الذي ينفونه عنه وفقًا لما جاء في الكتاب والسنة يدل على إثبات كمال الله ﷾، بخلاف أولئك الذين ينفون عن الله الصفات بحجة أنهم لو أثبتوا لكانوا مشبهين، وتصوروا أنه ليس هناك إثبات إلا مع التشبيه، ولهذا يقولون: ليس بكذا، وليس بكذا.
وينفون عنه جميع الصفات، فيئول الأمر إلى أن يكون لا وجود له؛ لأنه لا يتصور وجود ذات مجردة من جميع الصفات.
فالمتكلمون تصوروا أنه لا إثبات إلا مع تشبيه، ففروا من تشبيه بالموجودات حسب تصورهم الباطل، ووقعوا في تشبيه أسوأ منه، وهو التشبيه بالمعدومات، ولهذا يقول بعض أهل العلم: إن المعطل يعبد عدمًا.
يعني: لا وجود لمعبوده.
وكما قال ابن عبد البر ﵀ في كتابه (التمهيد): إن الذين ينفون الصفات عن الله ﷿ ويصفون المثبتة بأنهم مشبهة؛ لأنهم ما تصوروا إثباتًا إلا مع تشبيه.
ثم يقول ابن عبد البر: وهم عند من أقر بها نافون للمعبود.
أي أن المعطلة عند المقرين للصفات يعتبرون نافين للمعبود.
ثم إن الذهبي ﵀ ذكر هذا النقل عن ابن عبد البر في كتابه (العلو للعلي الغفار)، وقال: صدق والله -أي: ابن عبد البر -، فإن الجهمية مثلهم كما قال حماد بن زيد: إن جماعة قالوا: في دارنا نخلة.
فقيل: ألها خوص؟ فقالوا: لا، ألها عسب؟ قالوا: لا، ألها قنو؟ قالوا: لا، ألها ساق؟ قالوا: لا، قالوا: إذًا ما في داركم نخلة؛ لأنه إذا كانت جميع صفات النخل منفية عنها فلا وجود لهذه النخلة التي نفيت عنها جميع الصفات.
فكذلك إذا نفيت الصفات عن الله ﷿ فمعنى ذلك أنه لا وجود له، وعلى هذا فنهج المتكلمين إنما هو نقص وإضافة نقص إلى الله ﷿، بل إضافة العدم إليه وأنه لا وجود له، وأما أهل السنة والجماعة فهم ينفون عن الله ﷿ ما نفاه عن نفسه ونفاه عنه رسوله ﷺ، وهذا النفي متضمن إثبات كمال الله ﷾.
فقوله تعالى في الحديث: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا) أي: أنه ﷾ حرم على نفسه الظلم، ومنع الظلم عن نفسه؛ وذلك لكمال عدله ﷾.
قوله: (وجعلته بينكم محرمًا) أي: كما حرمه الله على نفسه فلا يقع منه أبدًا فإنه حرمه على عباده، ولكن منهم من يحصل منه الظلم، سواء ظلم نفسه، وذلك بأن يأتي بأمور منكرة تعود مضرتها عليه ويكون ظالمًا لنفسه، أو يظلم غيره، سواءٌ أكان ظلمه في نفسه بقتله أو بقطع عضو منه، أم كان في عرضه أم في ماله.
فيكون الظلم قاصرًا على الإنسان ويكون متعديًا إلى غيره، فيظلم الإنسان نفسه، وذلك بتركه للأوامر ووقوعه في المعاصي، وكذلك أيضًا يظلم غيره بأن يلحق به الأذى والضرر، فيكون ظالمًا لنفسه وظالمًا لغيره.
ثم قال: (فلا تظالموا) يعني: فلا تتظالموا، بل عليكم أن تبتعدوا عن الظلم وأن تتركوا الظلم، وأن تكونوا على السداد وعلى العدل، وأن تحذروا من الظلم.
هذه هي الجملة الأولى من الجمل العشر التي اشتمل عليها حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه.
24 / 4