577

Sharh Al-Arba'in Al-Nawawiyah

شرح الأربعين النووية

فضل الصلاة وعظيم منزلتها
ثم قال: (والصلاة نور) هذا يدلنا على عظم شأن الصلاة، ووصفها بأنها نور، وهي نور في القلب، ونور في الوجه، ونور هداية، ونور في الدار الآخرة، وكل هذه الصفات للنور هي حاصلة بالصلاة في الدنيا والآخرة، فهي نور في البصيرة وفي القلب، ونور في الوجه بسبب ملازمة الطاعة؛ وذلك لأن الإنسان يصلي لله ﷿ في اليوم والليلة خمس مرات، وهو يكون بهذا على صلة وثيقة بالله ﷾، وكذلك أيضًا يحصل صاحبها على نور الهداية؛ لأن الإتيان بالصلاة في اليوم والليلة لا شك أنّه من الهداية، والهداية نور، كما جاء في القرآن الكريم وصف القرآن بأنه نور، أي: نور يضيء الطريق إلى الله ﷿، قال الله ﷿: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾ [التغابن:٨] فهو نور هداية، وليس مقصودًا به نور حسي يشع، فإن المصحف لا يشع، ولا يحصل منه إشعاع، وإنما يحصل منه الهداية، وكذلك النور المضاف إلى نبينا محمد ﷺ، فإن المقصود به نور الهداية، وليس المقصود من ذلك -كما يقول بعض الصوفية- أنه نور لا ظل له؛ لأنه يعكس ضوء الشمس فلا يكون له ظل.
فمن المعلوم أنه جاء في حديث عائشة ﵂: (أنه ﷺ كان يصلي في حجرتها ورجلاها إلى قبلته، فإذا سجد غمزها فكفت رجليها، وإذا قام بسطتهما.
قالت: والبيوت يومئذٍ ليس فيها مصابيح) فلو كان نوره نورًا حسيًا يشع لكانت الحجرة مضيئة، ولا يحتاج إلى أن تقول: (والبيوت يومئذٍ ليس فيها مصابيح)، وكذلك كان ﷺ يجلس في ظل الكعبة، ولو كان ليس له ظل كما يقولون وأنه يضيء وأنه يعكس نور الشمس لما كان هناك حاجة إلى أن يجلس صلوات الله وسلامه وبركاته عليه في ظل الكعبة، فهذا غلو فيه ﷺ وادعاء لأشياء لا حقيقة لها ولا وجود لها، وإنما النور الذي وصف به في قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٦] المقصود به: نور الهداية، وليس نورًا يشع، فإنه ﷺ كان يمشى في الظلام، وعائشة ﵂ وأرضاها لما فقدته كانت تتلمسه حتى وقعت يداها على رجليه وهو ساجد.
فالمقصود بالنور المضاف إلى القرآن نور الهداية، والنور المضاف إلى الرسول ﷺ نور الهداية، وعلى هذا فالصلاة نور في قلب صاحبها وفي بصيرته، وأيضًا نور في وجهه، ونور يضيء أمامه يوم القيامة.

23 / 5