364

Sharh Al-Arba'in Al-Nawawiyah

شرح الأربعين النووية

هيئة رفع اليدين في الدعاء
قال ابن رجب ﵀: (وقد روي عن النبي ﷺ في صفة رفع يديه في الدعاء أنواع متعددة، فمنها: أنه كان يشير بأصبعه السبابة فقط، وروي عنه أنه كان يفعل ذلك على المنبر، وفعله لما ركب راحلته).
معلوم أن الإشارة بالسبابة تكون عند ذكر الله تعالى، كما جاء أن النبي ﷺ كان في التشهد يحرك أصبعه يدعو بها، وكذلك في الخطبة كان لا يزيد على أن يشير بإصبعه، فما كان يرفع يديه، كما جاء أن عبد الملك بن مروان كان يخطب وقد رفع يديه، فأنكر عليه بعض الصحابة وقال: (إن النبي ﷺ ما كان يزيد على أن يقول بإصبعه هكذا) إذًا: الخطبة لا ترفع فيها الأيدي وإنما يشار بالإصبع فقط، إلا في الاستسقاء إذا حصل في الخطبة فترفع الأيدي؛ لأن النبي ﷺ لما استسقى في خطبة الجمعة رفع يديه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
ولعل إشارة النبي ﷺ بأصبعه كانت تكون عند التكبير وعند ذكر الله ﷿، كما في التشهد حين كان يحركها يدعو بها عند ذكر الله.
قال ﵀: (وذهب جماعة من العلماء إلى أن دعاء القنوت في الصلاة يشير فيه بإصبعه، منهم الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وإسحاق بن راهويه، وقال ابن عباس وغيره: هذا هو الإخلاص في الدعاء، وعن ابن سيرين: إذا أثنيت على الله فأشر بإصبع واحدة).
فيما يتعلق بقنوت النوازل: كان ﷺ يرفع يديه في الدعاء، وأما قنوت الوتر فقد ثبت عن عمر ﵁، وجاء عن أبي هريرة، ولا أعلم فيه حديثًا مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ، لكن -كما هو معلوم- إذا ثبت عن الصحابة فإنه يؤخذ بما جاء عن الصحابة، وقد ثبت عن عمر ﵁ أنه كان يرفع يديه، وكذلك جاء عن أبي هريرة ﵁، وهذا في قنوت الوتر، وأما قنوت النوازل فقد جاء عن النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه.
قال: (ومنها أنه ﷺ رفع يديه وجعل ظهورهما إلى جهة القبلة وهو مستقبلها، وجعل بطونهما مما يلي وجهه، وقد رويت هذه الصفة عن النبي ﷺ في دعاء الاستسقاء، واستحب بعضهم الرفع في الاستسقاء على هذه الصفة منهم الجوزجاني.
ومنها عكس ذلك، وقد روي عن النبي ﷺ في الاستسقاء أيضًا، وروي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يدعون كذلك، وقال بعضهم: الرفع على هذا.
ومنها عكس ذلك أي: كون ظهورهما إلى جهة وجهه وبطونهما إلى جهة القبلة على الهيئة التي تكون عند التكبير، فعندما يكبر يجعل بطونهما إلى جهة القبلة وظهورهما إلى جهة وجهه، هذا هو عكس الكلام الأول.
وقد جاء من حديث أنس ﵁: (كان النبي ﷺ يستسقي هكذا، ومد يديه وجعل بطونهما مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه).
وهذه الصفة معناها: أنه جعل بطونهما إلى جهة الأرض، كأنه رفع يديه هكذا فصارت البطون إلى جهة الأرض.
قال: (ومنها: إذا رفع يديه جعل كفيه إلى السماء وظهورهما إلى الأرض، وقد ورد الأمر بذلك في سؤال الله ﷿ في غير حديث، وعن ابن عمر وأبي هريرة وابن سيرين أن هذا هو الدعاء والسؤال لله ﷿.
ومنها عكس ذلك: وهو قلب كفيه وجعل ظهورهما إلى السماء، وبطونهما مما يلي الأرض.
وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁: (أن النبي ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء)، وخرجه الإمام أحمد ﵀ ولفظه: (فبسط يديه وجعل ظاهرهما مما يلي السماء).
يمكن أنه بدل ما يثني يديه جعلهما مبسوطتين، ولكن بطونهما إلى الأرض وظهورهما إلى السماء.
قال: (وخرجه أبو داود ولفظه: (استسقى هكذا) يعني: مد يديه وجعل بطونهما مما يلي الأرض).
وخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري قال: (كان النبي ﷺ واقفًا بعرفة يدعو هكذا، ورفع يديه حيال ثندوته، وجعل بطون كفيه مما يلي الأرض)، وهكذا وصف حماد بن سلمة رفع النبي ﷺ يديه بعرفة.
وهذا خرجه الإمام أحمد في المسند، ورواه ابن أبي شيبة، وذكره الهيثمي في المجمع وقال: فيه بشر بن حرب وهو ضعيف.
قال: وروي عن ابن سيرين أن هذا في الاستخارة، وقال الحميدي: هذا هو الابتهال.

17 / 8