يعفو ربنا الحليم. ولقد علمت ما حلّ بمغمداس (٤٧) وغيرها، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ثم إنا لله وإنا إليه راجعون. وقد قال إلهنا الكبير ﷿: (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا) (٤٨). وإني أرى لك أن تحدث حذرا واحتراسا واستكانة وخضوعا وتذللا وخشوعا، ترجو بذلك رضى إلهك والنجاة من نزول عقابه، وما ظهر من الفساد خوفا من سخط الجبار، ولا تكن من الغافلين، ولكن أكثر من مجالستك من أهمه أمر نفسه وصلاح دينه، فإن لم تجد أولائك فعليك بالخلوات واستعن بالله ﷿، ولا تزال تذكرنا، فإني قد نشبت في موضع لا يخلص منه إلا الله ﷿. والوحدة لا تضر من خاف الله تعالى بالغيب. والأنس لا ينفع من كان من دينه في شك وريب. قال الله ﷿: (فَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْمًا) (٤٩).
فمن رجوت من أهل زمانك أن يكون بقاؤه رحمة لأهل مكانه فاسرع (٥٠) إليه وانتفع بلقائه، فإنه قد أدرك أمرا عظيما. فعليك يا أخي بكثرة الحزن والتفكّر والاعتبار بالذكر وملازمة الدار، ولا يعجبك كثرة الحديث، فإنه ليس نافع الأمور (٥١) إلا حديثا حرك القلوب لما فيه نجاتها وعمارتها بما يرضي ربها ﷿. وقد جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ قال (٥٢): «من أصبح أكبر همه غير الله ﷿، فليس من الله [في شيء] (٥٣) ومن لم يهمه أمر المسلمين فليس منهم».وقد أصبح الناس يسفك بعضهم
(٤٧) في الأصل بغمديس-بدون اعجام ولعلّ الصواب ما أثبتناه وهو يشير الى «واقعة المغمداس».التي قضى فيها أبو حاتم الأباضي الآنف الذكر على نجدة كبيرة وجهتها الخلافة العباسية في بغداد لفك الحصار عن مدينة القيروان وحاميتها المحاصرة بها.
ومغمداس موضع بأرض سرت. ينظر عنه: مسالك البكرى ص ٧ ومعجم البلدان الليبية ص ٣٢٣.وينظر عن الواقعة: طبقات المشايخ ٣٨: ١.
(٤٨) سورة الاسراء آية ١٦.
(٤٩) سورة الكهف آية ٦٥.
(٥٠) في الاصل: فاسر.
(٥١) كذا في الأصل. ولعل صواب العبارة: «فانه ليس بنافع الا حديث».
(٥٢) في الأصل: انه قال. والحديث رواه السيوطي في الجامع الصغير (الفتح الكبير ١٦٢: ٣). وعزاه للحاكم في المستدرك. وكذا العجلوني في كشف الخفاء ٢٩٧: ٢.
(٥٣) بياض في الأصل أكملناه من رواية العجلوني عن المستدرك.