وإذا عزم على ترك معصية قد دعته نفسه إليها بذل جهده في الأسباب الموجبة لتركها، من التفكر بها وصرف الجوارح عنها، ثم اعتمد إلى الله ولجأ إليه في عصمته منها، وأحسن الظن به في عصمته له، فإنه إذا فعل ذلك في جميع ما يأتي ويذر رجي له الفلاح إن شاء الله تعالى.
وأما من استعان بالله وتوكل عليه، مع تركه الاجتهاد اللازم له، فهذا ليس بتوكل، بل عجز ومهانة، وكذلك من يبذل اجتهاده ويعتمد على نفسه ولا يتوكل على ربه فهو مخذول.
عبدوا الإله على اعتقاد حضوره
فتبوءُوا في منزل الإحسان
هذه المنزلة يقال لها: منزلة الإحسان، وهي كما فسرها النبي صلى الله عليه وسلم: أن تعبد الله وحده كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فإذا تصور الإنسان هذا المقام في جميع أحواله - لا سيما حال العبادة - منعه من الالتفات بقلبه إلى غير ربه، بل أقبل بكليته على الله، وتوجه بقلبه إليه متأدبا في عبادته، آتيا بجميع ما يكملها، مجتنبا كل منقص لها، وهذه المنزلة من أعظم المنازل وأجلها، ولكنها تحتاج إلى تدريج للنفوس شيئا فشيئا، ولا يزال العبد يعودها نفسه حتى تنجذب إليها وتعتادها، فيعيش العبد قرير العين بربه، فرحا ومسرورا بقربه.