462

Rules of Rulings in the Interests of People

قواعد الأحكام في مصالح الأنام

Daabacaha

مكتبة الكليات الأزهرية

Goobta Daabacaadda

القاهرة

وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَالْأَوْلَى بِالْمَرْءِ أَنْ لَا يَأْتِيَ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَعْمَالِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ إلَّا بِمَا فِيهِ جَلْبُ مَصْلَحَةٍ عَاجِلَةٍ أَوْ آجِلَةٍ أَوْ دَرْءِ مُفْسِدَةٍ عَاجِلَةٍ أَوْ آجِلَةٍ، مَعَ الِاقْتِصَادِ الْمُتَوَسِّطِ بَيْنَ الْغُلُوِّ وَالتَّقْصِيرِ، فَلَا يَأْتِي فِي طَهَارَتِهِ إلَّا بِمَا يُكْمِلُ طَهَارَتَهُ، لِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَيْهِ عَبَثٌ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ فِي الْكَلَامِ إلَّا بِمِقْدَارِ مَا يَبْلُغُ سَامِعِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي وَعْظٍ أَوْ زَجْرٍ، «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا خَطَبَ اشْتَدَّ غَضَبُهُ وَعَلَا صَوْتُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، وَكَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ تَذْكِيرًا لِلنَّاسِ بِهَا حَتَّى يُلَبُّوا»، وَلِذَلِكَ شُرِعَ رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْأَذَانِ لِكَثْرَةِ السَّامِعِينَ وَخَفْضُهُ فِي الْإِقَامَةِ لِقِلَّةِ الْحَاضِرِينَ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ رَبُّنَا ﷿: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] أَنَّهُ إذَا سَمِعَ الدُّعَاءَ الْخَفِيَّ فَلَا حَاجَةَ إلَى رَفْعِ الصَّوْتِ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ رَبُّنَا ﷿: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] فَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَرَادَ الَّذِينَ يَعْتَدُونَ بِرَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ فِي الدُّعَاءِ، وَقَالَ ﷺ لِأَصْحَابِهِ لَمَّا رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالذِّكْرِ: «أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا دُونَ رُءُوسِ رِحَالِكُمْ» وَقَالَ آخَرُونَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ فِي الدُّعَاءِ وَلَا فِي غَيْرِهِ.
وَنُقِلَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ جَهَرَ فِي أَدْعِيَةٍ» وَلَكِنْ كَانَ جَهْرُهُ تَعْلِيمًا لِأَصْحَابِهِ دُونَ النَّوْعِ مِنْ الدُّعَاءِ، وَالْحَاجَةُ مَاسَّةٌ إلَّا التَّعْلِيمُ فَيَكُونُ لِلْجَاهِرِ بِذَلِكَ أَجْرَانِ
أَحَدُهُمَا: أَجْرُ الدُّعَاءِ.
وَالثَّانِي: أَجْرُ التَّعْلِيمِ.
وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ لَا يَنْبَغِي لَك أَنْ تَتَكَلَّمَ إلَّا بِمَا يَجُرُّ مَصْلَحَةً أَوْ يَدْرَأُ مَفْسَدَةً، وَكَذَلِكَ قَالَ ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَقُولُونَ فِي الْمِزَاحِ؟ قُلْنَا: إنَّمَا

2 / 211