Nubdha Mushira
النبذة المشيرة إلى جمل من عيون السيرة
فصل: ولنرجع إلى تمام أخبار الأمير عبد الرحيم، وذكرناه هنا لتعلقه بالصلح وقد ذكرنا كيفية قيامه على الترك أخذهم الله وتظهره بمناصرة الإمام عليه السلام وأنه طمع في شهارة ثم في كوكبان، ثم بالحماطي وأهل الحيمة وبذل لهم الرغائب، فلما لم يحصل له المطلوب اضطربت أحواله فتارة يخطب للإمام وينصر له، وتارة لنفسه، ولقد أرسل إليه الإمام عليه السلام حاجبه شمس الدين البواب عن سؤال ذلك الحاجب أنه يسير إليه ببشارة مما فتح الله للإمام طمعا في نائلة، وكان مأمولا كريما جوادا، ولكن يختلف ذلك لا ختلاف الهوى والأوقات، فلما وصل إليه كما أخبرني الشريف محمد بن ناصر أبو سهر الغرباني، وكان مع والده في عسكر عبد الرحيم أنه فعله عند عسكر غربان فأمسى معهم وقد عرف موضعه، فلما كان وقت سمرة [ق/314] العسكر تزيا المحروم بزي الخدام، ثم سمع حديثهم فسمع من هذا الحاجب ذكرا لابن المعافا وبلاده وما عند الإمام عليه السلام من الجهاد والوقائع وكأنه قلل أصحاب عبد الرحيم، وكان عبد الرحيم في حورة حينئذ فلما أصبح الصباح طلبه في محفل وقال: أنت تبيع أبي قاسم وتخونه في الباب حتى من أعطاك خمسة كبار أدخلته عليه وهو يعني الإمام ما انتقم لنفسه منك وإنما أرسلك آخذ له منك وكذا، ثم أمر بربطه وتجريده من ثيابه، ثم أمر أن يعلق في تالوقة هناك وطلب البندق يرميه على أنه عرض فلم تطلع له النار وعظم عليه عدم إصابته وهو مشهور في الرمي بالبندق، فقال: ربما وأنتم يعني الحاضرين تظنون أن سلامته من فضل إمام الأهنوم -أو كما قال- تنظرون ما أفعل به ثم أمر بالحطب وأن يجمعوه من كل بيت حتى صار عظيما جدا، وطرح المذكور حيا في الحطب وهو مكتوف، فكان الحاجب يصيح ويستغيث بالله سبحانه وبفضل الإمام عليه السلام فلما اشتعلت النار من جميع الجوانب أرسل الله سبحانه مطرا على المكان فأطفأ تلك النار وتفرق الناس من المطر فخشع هو وكثير ممن شهد ذلك وعفا عنه وأطلقه واعترف بفضل الإمام عليه السلام في تلك الحال وأكثر لذلك الحاجب من العطاء وطلب منه البقاء عنده وملازمة خدمته، فأظهر له المحبة والإجابة ونهاية الرغبة وأرسل لأهله وأخذ يشكو عليه من الإمام عليه السلام حتى اطمأن إليه، ثم خلص إلى الظفير، ودعا إلى الإمام عليه السلام وترك مكان إعطائه ورضي من الغنيمة بالإياب، وأما أنه يقف على حدود الله سبحانه أو يراعي شيئا من أوامر الإمام عليه السلام فهو في حكم الخارج عن الإمامة وإنما يلبس على من تجوز عليه الكبة أنه مؤتم بالإمام ولما خاض الإمام عليه السلام في الصلح عرض عليه إرسال أن يكون الصلح واحد فلم يرض بل نسب الإمام إلى العجز فعقد الإمام الصلح وتركه والترك أخذهم الله، فلما صح لهم أن الإمام تركه وإياهم وأنه تبرأ منه اجتمعوا الحربة وهو لا يزال منصورا عليهم حتى أن المائة من أصحابه لا يفرون من الألف من غيرهم لاختيار لهم، وأن من ثبت وابتلي معه لا يدري ما يعطيه، ومن تأخر أو تلكأ أهلكه فكان خوفهم من ورائهم أكثر من سنة أو أكثر بعد عقد الصلح بين الإمام عليه السلام والترك، ولا يحصى من قتل من جنود الترك ومن أصحابه حتى إذا قتل كما أخبرني غير واحد ممن عرفناه ممن خدمه [ق/315] وشهد ذلك إنما موضع في بلاده كلها إلا وسال عليه الدم لم يبعد، ثم إنه قتل من أصحابه بالتهمة وأكثر حتى إخوته خافوه خوفا شديدا مثل ما تقدم لصنوه مطهر وأنه بقي عند الإمام عليه السلام مستجيرا به منه، ثم انحدر إلى بلاد الشيخ أبي زيد، وكان أخواله منهم، ثم منه إلى جعفر باشا مع خروجه، ثم صنوه الأمير أحمد بن عبد الرحمن فإنه راكز أمراء الترك في جبل مسور وبقي هو وهم من بيت إلى آخر في جبل مسور المنتاب أكثر من سنة، وفي أكثرها اليد له عليهم، ثم انحدر بعد القتال الشديد والدفاع الذي لا عليه مزيد إلى أخيه إلى حجة وخوفه منه أكثر من الترك أخذهم الله، وأخوه الأمير محمد بن عبد الرحمن قريب من ذلك، وبلغني من كثير ممن يعرف أخباره أن جملة من قتل من جبر حجة المعروفين بالتهمة في جميع أيامه ثلاثمائة نفر ونيف، وقتل الشيخ بن علان وأولاده وإخوته وأولادهم لتهمة أنهم فتحوا لابن المعافا الطريق إلى السودة، وكانوا فوق عشرين نفرا في يوم العيد وجعلهم حوالي السماط فيأكل الناس وهم ينظرون الموت وكذا غيرهم من أفراد الناس حتى فعل الفضيحة المشهورة أخزاه الله من المثلة بزوجة رجل من أصحابه وعيون عسكره يسمى عبد الله الزنم فإنه خافه فهرب إلى الترك فأخذ امرأته وأمر يتجريدها فكانت على أعين الناس ولم يبق على عورتها شيء، ثم صلبها على تلك الصفة ثم أخذ ابنين لها صغيرين وعلقهما في ثديها، ثم أمر الناس الذين عنده لعنه الله وإياهم بالنظر إليها واللعن لها ولزوجها ففعلوا فمن حال أن فعل ذلك خذله الله وسلبه النصر فلا زالوا به حتى قبضوا عليه في كحلان الشرف وقد احتال إخوته وكبار عسكره بمصيره في ذلك الحصن بتعجيل الراحة منه وقد كاتبوا العجم وتشرطوا لنفوسهم فأخذوه من كحلان الشرف الحصن المعروف وأراح الله العباد منه {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون}.
Bogga 206