329

Mukhtasar Tuhfa Ithna Cashariyya

مختصر التحفة الاثني عشرية

Tifaftire

محب الدين الخطيب

Daabacaha

المطبعة السلفية

Goobta Daabacaadda

القاهرة

وأعود بعد هذه الأسئلة التي تقدمت آنفا عن أصل الفتن والتشيع، فقد زعم الزاعمون لعلي - كرم الله وجهه - ما لم يكن له علم به: زعموا أن النبي ﷺ عينه للخلافة بعده يوم استخلفه على المدينة وهو متجه إلى الشام في غزوة تبوك، وقال له يومئذ «أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي». ورجال الحديث مختلفون في درجة هذا الخبر من الصحة، فبعضهم يراه صحيحا، وبعضهم يراه ضعيفا، وذهب الإمام أبو الفرج بن الجوزي إلى أنه موضوع مكذوب، ونحن إذا رجعنا إلى الظروف التي قالوا إنها لابست هذا الحديث نرى أن النبي ﷺ لما أراد الله له أن يتوجه نحو تبوك - أمر عليا بأن يتخلف في المدينة، وكان رجالها والقادرون عل الحرب من الصحابة قد خرجوا مع النبي ﷺ، فوجد علي في نفسه وقال للنبي ﷺ: «أتجعلني مع النساء والأطفال والضعفة!» فقال له النبي ﷺ تطيبا لنفسه: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟» أي في استخلاف موسى أخاه هارون لما ذهب إلى الجبل ليعود بالألواح فهذا استخلاف لم يكن له في نظر سيدنا علي كرم الله تعالى وجهه هذا المعنى الوهمي الذي اخترعه المتحزبون فيما بعد، بل هو على عكس ذلك كان يراه حرمانا له من مكانة أعلى وهي مشاركة إخوانه الصحابة في ثوب الجهاد لتكوين الكيان الإسلامي المنشود. زد على ذلك أن هذا النوع من الاستخلاف لم ينفرد به علي كرم الله وجهه، بل تكرر من النبي ﷺ استخلاف ابن أم مكتوم على المدينة نفسها، وكان ابن أم مكتوم يتولى الإمامة بالناس في المدينة مدة خلافته عليها، وقد ناظر كبار الشيعة في هذا الحديث علامة العراق السيد عبد الله السويدي عندما جمعه بهم نادر شاه في النجف سنة ١١٥٦هـ فأفحمهم السويدي وخذل باطلهم كما ترى ذلك فيما دونه ﵀ بقلمه عن هذه الواقعة وأثبتناه في رسالة طبعناها بعنوان (مؤتمر النجف).
فالإمام علي كرم الله تعالى وجهه كان يعلم أن الخلافة الحقة هي التي انضوى فيها إلى جماع إخوانه أصحاب رسول الله ﷺ يوم قدر الله لها بحكمته ما شاء، وقضى فيها بعدله ما أراد وما كان لمسلم من عامة المسلمين - فضلا عن مثل علي في تعظيم مكانته في الأولين

1 / 314