354

Mukhtasar Sawaciq Mursala

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة

Tifaftire

سيد إبراهيم

Daabacaha

دار الحديث

Daabacaad

الأولى

Sanadka Daabacaadda

١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م

Goobta Daabacaadda

القاهرة - مصر

أَثَرَ هَذَا الِاسْمِ وَقَبَضَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى إِذَا جَاءَ وَعْدُهُ قَبَضَ الرَّحْمَةَ الَّتِي أَنْزَلَهَا إِلَى الْأَرْضِ، فَتَضَعُ لِذَلِكَ الْحَوَامِلُ مَا فِي بُطُونِهَا، وَتَذْهَلُ الْمَرَاضِعُ عَنْ أَوْلَادِهَا، فَيُضِيفُ سُبْحَانَهُ تِلْكَ الرَّحْمَةَ الَّتِي رَفَعَهَا وَقَبَضَهَا مِنَ الْأَرْضِ إِلَى مَا عِنْدَهُ مِنَ الرَّحْمَةِ فَيُكْمِلُ بِهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ فَيَرْحَمُ بِهَا أَهْلَ طَاعَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ وَتَابِعِهِمْ.
وَأَنْتَ لَوْ تَأَمَّلْتَ الْعَالَمَ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ لَرَأَيْتَهُ مُمْتَلِئًا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ الْوَاحِدَةِ كَامْتِلَاءِ الْبَحْرِ بِمَائِهِ وَالْجَوِّ بِهَوَائِهِ، وَمَا فِي خِلَالِهِ مِنْ ضِدِّ ذَلِكَ فَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ: " «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» " فَالْمَسْبُوقُ لَا بُدَّ لَاحِقٌ وَإِنْ أَبْطَأَ، وَفِيهِ حِكْمَةٌ لَا تُنَاقِضُهَا الرَّحْمَةُ، فَهُوَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ وَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَسُبْحَانَ مَنْ أَعْمَى بَصِيرَةَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ مَجَازٌ.
الْوَجْهُ الْعِشْرُونَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَقْسَمَ صَادِقًا بَارًّا " «إِنَّ اللَّهَ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا» "، وَفِي هَذَا إِثْبَاتُ كَمَالِ الرَّحْمَةِ، وَأَنَّهَا حَقِيقَةٌ لَا مَجَازِيَّةٌ، وَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِامْرَأَةٍ أُصِيبَتْ فِي السَّبْيِ، وَكَانَتْ كُلَّمَا مَرَّتْ بِطِفْلٍ أَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " «أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ " قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهِيَ قَادِرَةٌ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: " اللَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» " فَإِنْ كَانَتْ رَحْمَةُ الْوَالِدَةِ حَقِيقَةً فَرَحْمَةُ اللَّهِ أَوْلَى بِأَنْ تَكُونَ حَقِيقَةً مِنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ رَحْمَةُ اللَّهِ مَجَازًا فَرَحْمَةُ الْوَالِدَةِ لَا حَقِيقَةَ لَهَا.
[المثال الثالث استواء الله على عرشه]
الْمِثَالُ الثَّالِثُ: فِي قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فِي سَبْعِ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ حَقِيقَةٌ عِنْدَ جَمِيعِ فِرَقِ الْأُمَّةِ إِلَّا الْجَهْمِيَّةَ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ مَجَازٌ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مَجَازِهِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُمْ مَا حَكَاهُ الْأَشْعَرِيُّ عَنْهُمْ وَبَدَّعَهُمْ وَضَلَّلَهُمْ فِيهِ بِمَعْنَى اسْتَوْلَى، أَيْ مَلَكَ وَقَهَرَ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ مِنْهُمْ: بَلْ مَعْنَى قَصَدَ وَأَقْبَلَ عَلَى خَلْقِ الْعَرْشِ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى: بَلْ هُوَ مُجْمَلٌ فِي مَجَازَاتِهِ يَحْتَمِلُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَجْهًا كُلُّهَا لَا يُعْلَمُ أَيُّهَا الْمُرَادُ إِلَّا أَنَّا نَعْلَمُ انْتِفَاءَ الْحَقِيقَةِ عَنْهُ بِالْعَقْلِ، هَذَا الَّذِي قَالُوهُ بَاطِلٌ مِنِ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَجْهًا:

1 / 371