المراد به القود حقيقة بل هو استعارة للكلمة للمعنى الذي فيها مما استعاروها منه قال الله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ والجدار لا إرادة له ولكن كان منه ميل كما كان لأولي الإرادة عند إرادتهم إلقاء أنفسهم إلى الأرض فمثل ذلك ما أراد من الأعرابي أن يبذل له من نفسه مثل الذي يبذل بالقود والله أعلم.
في انتظار البرء بالقصاص
ثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال: طعن رجل آخر بقرن في رجله فأتى النبي ﷺ فقال: أقدني فقال: "انتظر" ثم أتاه فقال: أقدني فأقاده فبرأ الآخر وشلت رجل الأول فجاء إلى النبي ﷺ فقال: أقدني مرة أخرى فقال النبي ﷺ: "ليس لك شيء قد قلت لك انتظر فأبيت" وذكر عن النبي ﷺ قوله للرجل: "انتظر" ثلاث مرات ومن أخذه له القود لما سأله إياه في المرة الرابعة هو حديث منقطع وقد رواه ابن أبي شيبة فذكره عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله وقد ذكر فيه بعض الرواة فقال: أقدني فقال: حتى تبرأ من الجناية ثلاث مرات فأقاد فعرج المستقيد فجاء إلى النبي ﷺ فقال: أقدني فقال رسول الله ﷺ: "أبعد الله عرجك لا شيء لك".
معلوم أن النبي ﷺ لم يمنعه القود إلا وهو غير واجب له وأنه لم يقده إلا والقود واجب له، اختلف أهل العلم في أنه هل يجب الانتظار في الجناية على الجاني حتى يتحقق منتهى الجناية في نفس أو عضو فمنهم من يقول: لا يجب حتى ينتظر ما تؤول إليه الجناية وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ومنهم من يقول: يجب القصاص من الجاني حين كان جنايته عليه مثل ما جناه عليه وهو قول الشافعي ولما منع ﷺ القود حين كانت الجناية علمنا أنه منعه مما لم يكن وجب له ولما أقاده في حال أخرى عقلنا أنها حال سوى الحال الأولى وعلمنا أنه إنما أمر بالإنتظار ليعلم ما يؤول إليه حال الجناية من برئه منها